تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
ثم اعلم أن اللّه تعالى قد جمع لنبيه محمد ، عليه الصلاة والسلام والتحية ، خصال الملك والنبوة جميعا ، كما جمعها لداود وسليمان عليهما السلام ، وكذلك جمع ليوسف الصّدّيق ، عليه السلام . وذلك أن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أقام بمكة في أول مبعثه نحوا من اثنتي عشرة سنة يدعو الناس ويعلّمهم معالم الدين ، حتى استوفى خصال النبوّة وأحكمها ، ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة ، وأقام بها نحوا من عشر سنين في ترتيب أمر الأمة ، وتحذير الأعداء ، وجباية الخراج والعشر ، ومصالحة الأعداء والمهادنة ، وقبول الهدايا وحملها ، والتزويج منهم وإليهم ، حتى أحكم أمر الملك . ثم اعلم أن اللّه تعالى لما أضاف إلى نبوّته الملك ، لم يضفها لرغبته في الدنيا وحرصه عليها ، ولكن أراد اللّه تعالى أن يجمع لأمته الدين والدنيا جميعا ، وكان القصد الأول هو الدين ، والملك عارض لأسباب شتى : أحدها أنه لو كان الملك في غير أمته ، لم يكن يؤمن أن يردّهم عن دينهم أو يسومهم سوء العذاب من كان مسلّطا عليهم ، مثل ما كان يفعل فرعون ببني إسرائيل . والخصلة الأخرى ما قال أردشير : « أن الملك والدين أخوان توأمان » . وخصلة أخرى هي أن الناس في طباعهم وجبلتهم لا يرغبون إلّا في دين الملوك ، ولا يرهبون إلّا منهم ، وبهذه الخصال وخصال أخرى يطول شرحها جمع اللّه الملك والنبوة لنبيه محمد ، عليه الصلاة والسلام والتحية والرضوان . ولما أشكلت هذه المسألة على اليهود والنصارى ، ارتدّوا وشكّوا في نبوّته ، لما رأوا أن الملك والنبوّة لمحمد ، عليه السلام . فلما أنزل اللّه ، عزّ وجلّ ، قصة داود وسليمان ليحاجّ بها اليهود والنصارى ، إذ كانوا مقرّين بنبوّتهما ، وقد جمع اللّه لهما من الملك والنبوّة ، ولم يكن الملك قادحا في نبوّتهما ، فهكذا كان حكم محمد ، عليه السلام ، فإن الملك لم يكن قادحا في نبوّته . واعلم يا أخي أن اللّه تعالى قد جمع لمحمد ، عليه السلام ، الملك والنبوّة ، وأيّده بروح منه ، حتى إنه قام بواجب حقّهما لما خصّه اللّه به من الجبلة القوية ،