تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » . فإذا ما تنازعوا وتخاصموا وتقاطعوا ، وتركوا وصيّة نبيهم ، وتفرّد كل واحد برأيه ، معجبا بنفسه ، شتّت شمل ألفتهم ، وتفرقت جماعتهم ، وضعفت قوتهم ، فأفسد عليهم أمر دينهم ، وشمت بهم حسّادهم ، وظفر بهم عدوهم ، إذا تفرّقوا في البلدان النائية ، وشرع كلّ واحد لنفسه مذهبا ، واعتقد رأيا ، وتفرّد به ، وربما دعا الناس إليه . فبهذا السبب تصير الأمة بعد نبيها فرقا وأعداء وخوارج . ولكن من أجل أن هذه المذاهب إنما هي فروع على الدين ، تفرّعها أصحاب الناموس على أصله ، تكون تلك الملّة واحدة بذلك السبب ، والمذاهب مختلفة ، وإلى هذا أشار تعالى :
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ »
. ثم اعلم أن في اختلاف العلماء ، في الآراء والمذاهب ، فوائد كثيرة تخفى على كثير من العقلاء ، فمن أجل ذلك تجد إلى العقول بتفاوتها اختلافات كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه الواحد القهار . وقد ذكرنا في كتب المنطق طرفا من ذلك بشرح طويل ، ولكن نذكر لذلك مثالا واحدا ليكون دليلا على ما وصفنا ، فنقول : اعلم أن العقلاء كما وضعوا القياسات إلى كل من أحدث مذهبا ، واعتقد رأيا من الآراء ، فإن ذلك يصير داعيا إلى طلب الحجّة عند خصمائه ، وعذرا عند العقلاء ، ويكون سببا لغوص النفوس في طلب المعاني الدقيقة ، والنظر إلى الأسرار الخفية ، ووضع القياسات ، واستخراج النتائج ، واتساعا في المعارف ، ويكون سببا ليقظة النفوس من نوم الجهالة ، وانتباها لها من السهو والغفلة . وخصلة أخرى من الفوائد في اختلاف العلماء ، وذلك أنه لما كان الإنسان لا يخلو من محاسن وفضائل ، ولا ينفك عن مساوىء ورذائل أيضا في أخلاقه وسيرته ومذهبه وأفعاله ، وكان أكثر الناس تجدهم يتزيّنون بمحاسنهم ، ويفتخرون بفضائلهم ، ويغفلون عن رذائلهم ، وينسون عيوبهم ومساوئهم ،