واحد ، وإن كانت شرائعهم مختلفة ، وإنما ذكرنا في هذا الفصل من هذه الأشياء ، لأن الذين أنكروا نسخ الشرائع من هذا الباب لم يعرفوا الفرق بين الدين والشريعة .
وأما الاختلافات التي وقعت بين شريعة واحدة ، بعضهم مع بعض ، كالذي بين طوائف اليهود فيما بينهم ، وبين طوائف النصارى ، وكما بين طوائف المسلمين كذلك ، فهي خمسة أنواع : منها اختلاف في ألفاظ التنزيل كالذي بين القرّاء ، ومنها اختلاف في المعاني كالذي بين المفسّرين ، ومنها اختلاف في أسرار الذين وحقائق معانيه الخفية كالذي بين المقلّدين والمستبصرين ، ومنها اختلاف في الأئمة الذين هم خلفاء الأنبياء كالذي بين الشيعة ، ومنها اختلاف في أحكام الشريعة وسنن الدين كالذي بين الفقهاء .
فعلّة اختلاف القراء هي من أجل الألفاظ المشتركة المعاني والمترادفة والمتباينة والمتواطئة والمشتقّة - كما بيّنّا معاني هذه الخمسة الأنواع في رسالة المنطق - وإنما يستعمل صاحب النواميس هذه الألفاظ في تنزيله وخطبه لأن كلامه على العموم للناس : الخاصّ والعامّ ، وفي المخاطبين : نساء وصبيان ، وعلماء وجهال ، وعقلاء وأغبياء ، ما بيّن ذلك إلّا لكي يعقل ويكمّل كلّ إنسان منهم معاني ألفاظه بحسب فهمه وذكائه وصفاء جوهره .
فلا يخلو أحد منهم من فائدة إذا سمعوا قراءة التنزيل ، وهذا هو من أجلّ المعجزات في كتب الأنبياء ، وخاصّة القرآن منها ، ومن أجل هذا قال النبي ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم : « نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف ، كلّ آية لها ظاهر وباطن » .
أما سبب اختلاف المفسّرين المقرئين في معاني ألفاظ التنزيل فهو من جهتين : إحداهما احتمال الألفاظ لتلك المعاني ، والأخرى من جهة مراتبهم في المعارف ، وصفاء جوهر نفوسهم ، وذكاء أفهامهم ، فيسنح لكل واحد شيء خلاف ما يسنح للآخر ، إذا نظر في معاني كتب الأنبياء ، عليهم السلام ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 488
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٤٨٨