تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
عددها إلّا اللّه تعالى ، ولا يمكن أن تجتمع تلك الفضائل في شخص واحد موفّرة كما بيّنّا من امتناع ارتياض النفس الواحدة بجميع أصناف العلوم ، مع قصر العمر واعتراض العوائق ، ولأن كلية العلوم موضوعة بإزاء قوى جميع الناس ، كما أن كلية الصناعات موضوعة بإزاء قوى جميع الصّنّاع . ولكن يجب للإنسان أن يختار الأولى والأشرف والأفضل ، وذلك أن العقلاء هم أفاضل الناس ، والإنسان أفضل من الحيوانات ، والحيوان أشرف من النبات ، والنبات « 1 » الأركان ومخّ طبائعها ، والإنسان صورة مختصرة من جميع صور الحيوان ، وهو المجموع فيه أمزجة قوى النبات ، وخواصّ المعادن ، وطبائع الأركان والموّلدات الكائنات منها أجمع . وهذه كلها لا يمكن أن تجتمع في شخص واحد ، فتفرقت في جميع الأشخاص هذه الصور ، فمكثر ومقلّ ، حتى عمرت الدنيا بهم . فهذا أحد أسباب اختلاف طبائعهم ، واختلاف طبائعهم أحد أسباب اختلاف تفاوت عقولهم . والعلّة الثانية في تفاوت الناس في درجاتهم في عقولهم هي خواصّ جواهر نفوسهم التابعة في إظهارهم أفعالهم لأمزجة أبدانهم . والثالثة هي كثرة غرائب علومهم ومعارفهم التي لا يمكن أن يحويها كلها إنسان واحد . والرابعة عجائب أفعالهم وفنون أعمالهم ، واختلاف صنائعهم وتصاريفهم في طلب معاشهم ، وأحكام تدبيرهم في سياستهم كثيرة لا تحصى ، ولا يمكن أن ينهض بها كلها إنسان واحد . والخامسة اختلاف أخلاقهم المتضادّة في الحسن والقبح ، ومجاري عاداتهم بين الجودة والرداءة ، مما لا يمكن أن تجتمع كلّها في إنسان واحد . والسادسة نشوؤهم على اختلاف سنن دياناتهم وتباين مذاهب آبائهم وآراء استاذيهم ومعلميهم . ثم اعلم أن هذه الخصال والمناقب كلّها لا يمكن أن تجتمع في شخص
هامش
( 1 ) النبات : سقط كلام بينه وبين الأركان .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 426 | إخوان الصفاء