تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
المفكّرة ، ثم الحافظة . فأما بيان ما تحتاج كل حاسّة من الشرائط في إدراكها محسوساتها حسبما نبيّن هاهنا ، فنقول : ان كل حاسّة من الحواسّ الخمس تحتاج في إدراكها محسوساتها إلى شرائط معدودة ، لا زائدة ولا ناقصة ، فمتى عدم واحدة من تلك الشرائط أو بعض ، أو زاد أو نقص عن المقدار الذي ينبغي ، عوّقها عن إدراك محسوساتها على حقائقها . مثال ذلك القوّة الباصرة فإنها تحتاج في إدراكها المبصرات إلى ضوء ما ، وإلى بعد ما ، وإلى محاذاة ما ، وإلى وضع ما ، فمتى عدم شيء منها ، عاقها ذلك عن إدراك المبصرات بحقائقها . وذلك أنه لا يمكنها إدراك الضياء المفرط والنور الباهر ، كما لا يمكنها إدراك المبصرات في الظلمة الظلماء . وذلك أن الإنسان لا يمكنه النظر إلى عين الشمس نصف النهار في يوم صائف ، كما لا يمكنه رؤية الأشياء الصغار في الظلمة الظلماء ، ولا رؤيتها في البعد الأبعد ، ولا في القرب الأقرب ، إذا وضعت يده مثلا قرب الجفن ، ولا رؤيتها من غير محاذاة ، ولا رؤية الأشياء المتحرّكة الشديدة الحركة ، كالنبل المارّ ، متى رمي عن قوس شديدة . وعلى هذا القياس حكم سائر الحواس فإنها تحتاج في إدراكها محسوساتها إلى شرائط معدودة ، فمتى عدمت واحدة منها أو نقصت عن المقدار أو زادت عليه ، عوّقها عن إدراك محسوساتها .