ومتى عرضت آفة كما يعرض في الأمراض الحادثة المفرطة - كما ذكر في كتب الطب - عوّقتها عن فعلها وتخيّلها رسوم المحسوسات ، كما يعترض للمبرسمين « 1 » وصاحب الماليخوليا . وهكذا أيضا حكم القوّة المفكّرة المستبطنة وسط الدماغ ، متى كان معتدلا على الأمر الطبيعي ، سالما من الآفات العارضة ، كان فكر الإنسان ورؤيته وتمييزه وفهمه على ما ينبغي . ومتى عرضت هناك آفة لعارض من الأعراض ، أو خروج عن الاعتدال ، عوّقت النفس عن إشراف أحوالها وأفعالها التي هي الفكر والتمييز والرويّة والتحصيل وما شاكلها .
لأن هذا العضو من أشرف الأعضاء بعد القلب . وهكذا أيضا حكم القوة الحافظة المستبطنة مؤخّر الدماغ في التذكار والنسيان .
وإنما ذكرنا في هذا الفصل هذه الأشياء لأن من هذه القوى تكون معارف الحيوان كلّها ، ومن تعاون أدوات هذه القوى بالمعاونات اللائقة تزيد في قواها ، ومن تفاوتها يكون اختلاف معارفها في الجودة والذكاء أكثر وأقلّ ، وهي الأصل في جميع العلوم والمعارف . ومن تفاوت أفعال هذه القوى يكون أكثر اختلاف الناس في معلوماتهم ، ومنازعات العلماء في آرائهم ومذاهبهم .
وخصلة أخرى أيضا أن كثيرا من العلماء ممن ينظر في علوم النفس ويتكلم في أحوالها يظن أن لها قوى وأفعالا وأخلاقا مختلفة تفعل بها اختلافات مختلفة ، ولا يدرون أنّ اختلاف أحوالها وأخلاقها إنما هو من جهة اختلاف أدواتها في الهيئة والجودة والرداءة التي كل واحد منها عضو من الجسد ، كما بيّنّا ذكرها ، وخصلة أخرى أن كثيرا من العلماء الطبيعيين والمنطقيين لما اعتبروا هذا الرأي الذي ذكرنا من أن النفس إنما هي مزاج البدن ، لما رأوا من تغيير أفعال الحيوان وأخلاقها عند تغيير مزاج الأعضاء ، واختلاف هيئاتها ، وخاصّة تغيير أفعال الإنسان وأخلاقه عند الأمراض ، وعند تغيير مزاج هذه
هامش
( 1 ) المبرسمين : المصابين بالبرسام ، وهو التهاب في الحجاب الذي بين الكبد والقلب .