تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
أخواتها التي لها بالذات . مثال ذلك البصر فإنه لا يدرك الأصوات ولا الروائح ولا الطعوم ، وهكذا أخواتها ، ولكن بما تشترك في المحسوسات اللاتي لهن بطريق العرض مثل الحركة ، فإنها تدرك وتعلم بالبصر واللمس والسمع جميعا .

فصل في بيان زيادة القوى التي في حواس الإنسان

فنقول : اعلم أن اللّه تعالى خلق في حواسّ الإنسان زيادة قوة ، وجودة تمييز ، ما لم يجعل في حواسّ سائر الحيوانات ، وبخاصّة في القوة اللامسة فضّله عليها ، وكرّمه بها ، كما جعل في قوة يديه من الصنائع العجيبة ، وفي قوة لسانه من اللغات المختلفة ، ما لم يجعل في أيديها ولا في ألسنتها ، كما هو بيّن ظاهر جليّ لا يخفى على أحد من العقلاء . وقد يظن كثير من الناس العقلاء أن بعض الحيوانات يفهم معاني الكلام ويمتثل الأمر والنهي ، ولكن لا يقدر على الكلام كمثل الفيل ، والفرس الجواد ، والجمل ، والغنم ، والبقر ، والكلب ، والسّنّور ، والقردة ، والببغاء ، وأمثالها من الحيوانات المسخّرة للإنسان ، المستأنسة به ، المنقادة لخدمته . ولعمري إنها تفهم معاني بعض الكلام ، كالزّجر والأمر والنّداء ، وما شاكلها التي هي بعض أقسام الكلام . فأما أن تفهم معاني الخبر والسؤال والجواب والاستفهام فلا . وقد بيّنّا علة ذلك في رسالة الحيوانات . ثم اعلم أن الإنسان مع استماعه الأصوات ، وتمييزه بالنغمات ، يفهم معاني اللغات والأقاويل والكلمات ، كما أنه ، عند نظره إلى الخطوط والكتاب ، يفهم ما يتضمّنها من معاني الكلام والعبارات ، ما لا يفهم عليها غيره من الحيوانات