تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
أن علّة اختلاف الموصوفات هي من أجل اختلاف الصفات ، وأما اختلاف الصفات فهي لأنفسها ، لأن اللّه تعالى أبدعها مختلفة بأعيانها لا لعلّة فيها . والمثال في ذلك اختلاف حال الأسود والأبيض ، فإنه من أجل اختلاف السواد والبياض في ذاتيهما لا لعلة أخرى . فمن ظن أن السواد والبياض لهما علة أخرى تمادى إلى غير النهاية ! وذلك أن الأسود هو موصوف ، وإنما كان أسود لكون السواد فيه ، فهكذا الأبيض إنما كان أبيض لكون البياض فيه . فأما السواد والبياض فإنهما في أنفسهما مختلفان ، لا لصنعة فيهما بل بذاتيهما مختلفان ، لأن اللّه تعالى أبدعهما هكذا مختلفي الذاتين . فهذا معنى قول الحكماء : إن السواد سواد لنفسه لا لصفة فيه ، ولم يريدوا أن السواد ليس بجعل جاعل ولا بصنع صانع ، كما توهم كثير من الناس الذين هم غير مرتاضين بالحكمة ولا متحقّقين بالشريعة . ثم اعلم أن العجز هو أحد الأسباب التي تعوق الفاعل عن إظهار أفعاله ، والصانع عن إحكام صنعه ، ولكن ربما يكون من الفاعل لضعف قوته ولقلّة معرفته ، وربما كان من عدم الأدوات والآلات التي يحتاج إليها الصانع في إحكام صنعته ، أو من عدم المكان والزمان والحركات وما شاكلها ، أو ربما يكون العجز من قبل الهيولى وعسر قبولها الصورة من الصانع الحكيم . مثال ذلك تعسّر قبول الحديد من الحدّاد أن يفتل من الحديد البارد حبلا طويلا كما يفتل الحبال من القنّب ، فليس العجز من الحدّاد ولكن من الحديد لعسر قبوله للفتل . ومثل الهواء لا يقبل كتابة الكاتب فيه لسيلان عنصره . ومثل النجّار لا يقدر أن يعمل سلّما يبلغ السماء لعدم الخشب ، لا لعجز فيه . ومثل رجل حكيم لا يقدر أن يعلّم الطفل لا لعجز في الحكيم ، بل لأن الطفل غير مستعدّ لقبول ذلك في حال الطفولية . وعلى هذا القياس يوجد العجز من الهيولى وعسر قبولها للصور ، لا لعجز في الصانع الحكيم . ثم اعلم أن كثيرا من العلماء لا يعرفون كيفيّة العجز من الهيولى ولا