تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦

فصل

حكي في بعض الأخبار أن نبيّا من أنبياء اللّه تعالى قال في مناجاته مع ربه : يا ربّ لم خلقت الخلق بعد أن لم تكن خلقته ؟ فقال له ربه ، على سبيل الرّمز : كنت كنزا مخفيّا من الخيرات والفضائل ، ولم أكن أعرف فأردت أن أعرف . معناه لو لم أخلق الخلق ، لخفيت هذه الفضائل والخيرات التي أفضتها وأظهرتها من عجائب خلقي ومصنوعاتي المحكمات التي كلّت الألسن عن البلوغ إلى كنه صفاتها ، وحارت عقولهم عن كنه معرفتها بحقائقها . وأنت يا أخي فاحذر من سوء الفهم من كلام العقلاء والحكماء ، ولطيف أقاويلها وإشاراتها إلى المعاني الدقيقة ! فإن سوء الفهم يؤدّي صاحبه إلى سوء الظن بالحكماء . فمن ذلك ما يتوهمه كثير من الناس في حق الحكماء أنها تقول بقدم العالم وأزليّته ، وهذا هو سوء الظن منهم لسوء فهمهم لأقاويلها وإشاراتها ، وذلك أنهم لما سمعوا قول الحكماء : إن العالم لم يخلق في زمان ولا هو في مكان ، ظن من سمع هذا القول منهم أنهم يقولون بقدم العالم ، ولم يفهم ما أرادوا ، وإنما أرادوا بقولهم : لا زمان ولامكان أفضل ، لأن الزمان عدد حركات الفلك ، والمكان سطحه الخارج ، فإذا لم يكن فلك ، فلا زمان ولامكان ، بل لما أبدع الباري تعالى الفلك وأداره ، أوجد المكان والزمان معا بعد وجود الفلك . ومن ذلك أيضا قولهم : إن الجوهر جوهر لنفسه ، والعرض عرض لنفسه ، فظن من سمع هذا القول ولم يفهم المراد أنهم يقولون : إنها ليست بجعل جاعل أو بصنع صانع ، إذ كان لنفسه ! وليس الأمر على ما ظنوا وتوهموا ، وإنما قالت الحكماء هذا القول ، لما تأمّلت الموجودات ، وتصفّحت أحوالها ، وجدت بعضها صفات ، وبعضها موصوفات مختلفات ، وعرفت