تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
من دم الطّمث في الرّحم كيف تمخّض وتميّز ، وصار بعضها عظاما بيضا صلبة ، وبعضها لحما أحمر ، وبعضها شحما دسما أصفر ، وبعضها عروقا مجوّفة ، وبعضها أعضاء آليّة ، وبعضها أعضاء متشابهة الأجزاء . وكيف صار بعضها قلبا ، وبعضها جرم الكبد ، وبعضها جرم الرّئة ، وكذلك المعدة والطّحال والدّماغ والأمعاء . وكيف صار بعضها جلدا وشعرا وظفرا وما شاكل هذه الأشياء المختلفة الأشكال والصّور والألوان والطّعوم والروائح والطباع . وإن عجز فهمه عن تصوّر كون هذه من دم الطّمث ومن النّطفة ، وتركيبها منه ، وكيفيّة قبولها هذه الصّور والأشكال والطعوم والألوان التي هي أقرب إليه ، ومعرفتها أسهل عليه ، فهو عن تصوّر كيفية الأفلاك ، وخلق أطباق السماوات والأرضين أبعد ، وهو بها أجهل وأقلّ فهما .

فصل

ثم اعلم أنه سترجع النفس الكلية إلى عالمها الروحاني ومحلّها النوراني وحالتها الأولى التي كانت عليها قبل تعلّقها بالجسم ، كما قال تعالى :
« كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ »
ولكن لا يكون ذلك إلّا بعد مضيّ الدهور والأزمان الطوال والأدوار ، وسيخرب العالم الجسماني إذا فارقته النفس ، وسكن الفلك عن الدوران ، والكواكب عن السير ، والأركان عن الاختلاط والمزاج ؛ ويبلى النبات والحيوان والمعادن ، ويخلع الجسم الصور والأشكال والنقوش ، ويبقى فارغا كما كان بديّا ، إذ أعرضت عنه النفس ، وأقبلت نحو عالمها ، ولحقت بعلّتها الأولى ، وصارت عنده واتحدت به . لأن مثل النفس في إقبالها على الجسم واشتغالها به في إصلاح شأنه - بعد ما كانت مقبلة على علّتها في عالمها ، مستفيدة منها الفيض من