تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
والجصّ واللّبن والخشب وما شاكلها . وليس الإبداع والاختراع تركيبا وتأليفا ، بل إحداث واختراع من العدم إلى الوجود . والمثال في ذلك كلام المتكلم وكتابة الكاتب ، فإن أحدهما يشبه الإبداع وهو الكلام ، والآخر يشبه التركيب وهو الكتابة ، فمن أجل هذا صار إذا سكت المتكلم ، بطل وجدان الكلام ، فإذا أمسك الكاتب ، لا يبطل الموجود من الكتابة . فوجود العالم من اللّه كوجود الكلام من المتكلم ، إذا أمسك عن الكلام ، بطل وجدان الكلام . والدليل على ما قلنا وحقيقة ما وصفنا قول اللّه تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا »
الآية و
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ »
ولا يشغله شأن عن شأن . ثم اعلم أن كل لبيب عاقل إذا فكّر في كيفية حدوث العالم وإبداع الباري له ، وخلقه أطباق السماوات والأرض ، وتركيبه أكر الأفلاك ، وتدويره أجرام الكواكب البسيطة والأركان الأربعة ، وتكوينه الموّلدات الثلاثة منها ، فلا بد أن يعتقد فيها أحد الآراء الثلاثة : إما أن يظن ويتوهم بأنها أبدعت دفعة واحدة ، وأخرجها الباري تعالى من العدم إلى الوجود على ما هي عليه الآن ، أو يظن ويتوهم بأنها أبدعت على تدريج ، فأخرجت على ترتيب أولا فأولا إلى آخرها على ممرّ الدهور والأزمان ، أو يقول بعضها دفعة ، وبعضها على التدريج ، إذ ليس في القسمة العقلية غير هذه الثلاثة . فأما من يظن ويقول إنها أبدعت دفعة واحدة بلا زمان ، فلا يجد لما يقول عليه دليلا من الشاهد ، فيتشكّك فيما يقول . وأما من يقول إنها أبدعت وأخرجت من العدم إلى الوجود على تدريج ونظام وترتيب فهو يجد على ما يقول شواهد كثيرة من الموجودات باستقراء واحد . وأما من يقول إن بعضها أبدع وأحدث دفعة واحدة ، وبعضها على التدريج ، فهو يحتاج إلى أن يبيّنها ويشرحها ويفصّلها .