أن يخبر ، إذا سئل عن علّة كل موجود ، ولما ذا ، وكيف ، وما الحكمة في كونه ، وما الفائدة في وجوده ؟ - إن كان يحسن ذلك - وإلّا ينبغي له أن يقول : اللّه ورسوله أعلم ، ولا يأنف أن يقول : لا أدري . فنقول :
قبل كل شيء إنه ينبغي لمن يريد النظر في حقائق الأشياء والبحث عن عللها ، والسؤال عن أسبابها ، ولم ، وكيف ، ولما ذا ، وما الحكمة فيها ؟ أن يكون له قلب فارغ من هموم الدنيا وأمورها ، ونفس زكيّة ، وفهم دقيق ، وعقل واضح ، وأخلاق طاهرة ، وصدر سليم من الدغل والغشّ والآراء الفاسدة ، ويكون مرتاضا بالرياضيّات الحكميّة الأربع ، والنظر في المنطق والطبيعيّات ، ويكون قد عرف السّؤالات وأجوبتها - كما بيّنّا في رسالة الأجناس من العلوم - ثم ينظر في هذا الفن الذي يسمّى علم الأنبياء الملقّب بعلم الإلهيّات ، لأن هذا العلم هو الغاية القصوى التي ينتهي إليها الإنسان في علم المعارف التي تلي رتبة الملائكة الذين هم الملأ الأعلى ، وسكّان السماوات ، وملوك الأفلاك .
فصل
ثم اعلم أن الأشياء هي أعيان ، أي صور غيريّات أفاضها وأبدعها الباري تعالى ، كما أن العدد هو أعيان أي صور غيريّات ، فاض من الواحد بالتكرار في أفكار النفوس ، والأشياء كانت في علم الباري تعالى قبل إبداعه واختراعه لها ، كما أن الواحد لم يتغيّر عما كان عليه قبل ظهور العدد منه في أفكار النفوس .
ومن أخص أوصاف الباري أنه غير الوجود ، وأصل الموجودات وعلّتها ، كما أن الواحد أصل العدد ومبدؤه ومنشؤه ، فلو كان الباري تعالى ضدّا لكان العدم ، ولكن العدم ليس بشيء ، والباري تعالى في كل شيء ، ومع كل شيء ، من غير مخالطة لها ولا ممازجة معها ، كما أن الواحد في كل عدد