تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
ثم اعلم أن معرفة الكيفية قبل معرفة الكمّيّة ، فمن لا يدري كيفية الأشياء ، وترتيبها ونظامها ، لا يوثق بقوله إذا أخبر عن عللها وأسبابها بأن ذلك منه عن معرفة ، بل هو حكاية وإخبار عن غيره ، ولا يكون إلا مبلّغا ! وينبغي لمن يطلب حقائق الأشياء ، ويبحث عن عللها وأسبابها أن يبتدئ أولا بمعرفة الأصول والقوانين والأجناس الكلّيّات ، ثم ينظر في الفروع والأنواع والأشخاص التي هي الحروف . ثم اعلم أن ملاك الأمر في معرفة حقائق الأشياء هو في تصوّر الإنسان حدوث العالم وكيفية إبداع الباري العالم ، واختراعه إياه ، وكيفية ترتيبه للموجودات ونظامه للكائنات بما عليه الآن ولم كان ذلك . ثم اعلم أن كل عاقل إذا سمع كلام العلماء في حدوث العالم ، وأقاويل الحكماء في كيفية إبداع الباري تعالى العالم ، واختراعه له بعد أن لم يكن ، وتفكّر فيما قالوه ، فإنه يشتهي ويتمنى أن لو علم كيف صنعه ، ومتى عمله ، ولم فعل ذلك بعد أن لم يكن قبل . فإن فكّر في هذه الثلاثة من المباحثات ، ولم يتصوّر كيفية ذلك ، ولا متى ، ولا لم ، لصعوبتها ودقّتها ، فربما تحيّر عقله ، وتشككت نفسه فيما قالت الحكماء ، وارتابت بها وتبلبلت . ثم اعلم أن العلّة في صعوبة التصوّر لحدوث العالم ، وكيفية إبداع الباري تعالى له من غير شيء ، هو من أجل جريان العادة في الشاهد أن كلّ مصنوع فإن صانعه يعمله من هيولى ما ، في مكان ما ، في زمان ما ، بحركات وأدوات . وليس حدوث العالم وصنعته ، وإبداع الباري تعالى له هكذا ، بل أخرج من العدم إلى الوجود هذه الأشياء كلها ، أعني الهيولى والمكان والزمان والحركات والأدوات والأعراض . فمن أجل هذا لا يتصوّر كيفية حدوث العالم وإبداعه .