تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
في ذلك حرارة النار فإنها تفيض منها على ما حولها من الأجسام ، من التسخين والحرارة ، وهي جوهريّة النار التي هي صورتها المقوّمة لها ، وهكذا أيضا يفيض من الماء الترطيب والبلل على الأجسام المجاورة له . والرطوبة جوهرية في الماء ، وهي صورة مقوّمة لذاته ، وهكذا أيضا يفيض من الشمس النور والضياء على الأفلاك والهواء ، لأن النور جوهريّ في الشمس ، وهي صورته المقوّمة لذاته . وهكذا أيضا تفيض من النفس الحياة على الأجسام ، لأن الحياة جوهريّة لها ، وهي الصورة المقوّمة لذاتها .

فصل

ثم اعلم أنه ما دام الفيض من الفائض يكون متواترا متّصلا ، دام ذلك المفاض عليه ، ومتى لم يتواتر متّصلا ، عدم وبطل وجوده ، لأنه يضمحل الأول فالأول . والمثال في ذلك الضوء في الهواء ، إذا تواتر البرق واتصل ، بقي الهواء مضيئا مثل النهار ، لأن الشمس تفيض الفيض منها على الهواء متواترا متصلا ، فإذا حجز بينهما حاجز ، عدم ذلك الضوء من الهواء ، لأنه يضمحل ساعة ساعة ، ولا يتواتر الفيض عليه . وهكذا الحياة من النفس على الأجسام ما دامت متصلة متواترة ، تدوم الحياة ، فإذا فارقت النفس الجسد ، بطلت حياة الجسد من ساعته واضمحلت . وهكذا حكم وجود العالم وبقائه من الباري تعالى ، فما دام الفيض والجود والعطاء متواترا متصلا ، دام وجود العالم من اللّه تعالى . واعلم أن أكثر العقلاء يظنون ويتوهمون أن وجود العالم من اللّه تعالى كوجود الدار المبنية من البناء ، المستقلة بذاتها ، المستغنية عن البنّاء بعد بنائه ، وليس الأمر كما ظنوا وتوهّموا ، لأن بناء الدار تركيب وتأليف من أشياء هي موجودة بأعيانها ، قائمة بذواتها ، كالتراب والماء والحجارة والآجرّ