تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أنك إن لم تعرف الدار الآخرة ، ولم تتحقق أمر المعاد قبل الممات ، وكانت نفسك في الدنيا عمياء ، فهي بعد الممات في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ، وحوشيت ، يا أخي ، من ذلك ، إن شاء اللّه تعالى . واعلم يا أخي أن المقرّ بالآخرة ، المؤمن بالمعاد ، المصدّق بها لا يتصوّرها ولا يعرف حقيقتها إلّا بعد ما تنتبه نفسه من نوم الغفلة ، وتنبعث من موت الجهالة ، وتحيا بروح المعارف ، وتنفتح عين البصيرة ، فتبصر عند ذلك بنور الهداية ، ما هو مقرّ به ومصدّق له ، ويكون عند ذلك من أهل الأعراف « 1 » ، كما حكي عن مستبشر لما سئل فقيل : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت مؤمنا حقّا ! قيل : وما حقيقة إيمانك ؟ قال : أرى كأن القيامة قد قامت ، وكأني بعرش ربي بارزا ، وكأن الخلائق في الحساب ، وكأني بأهل الجنة فيها منعّمين ، وأهل النار فيها معذبين . فقيل له : قد أصبت فالزم عين الطريق ! وإليه وإلى أمثاله أشار ، جلّ ثناؤه ، بقوله :
« وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ »
.
« وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
وهم الرجال الذين :
« لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ »
. فهل لك ، يا أخي ، أن ترغب في صحبتهم ، وتسلك طريقهم ، وتطلب منهاجهم ، وتتخلّق بأخلاقهم ، وتسير بسيرتهم ، وتنظر في علومهم لتعرف
هامش
( 1 ) الأعراف : هو عند المسلمين سور بين الجنة والنار ، تكون عليه أرواح الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وهي ترجو أن يغفر لها وتدخل الجنة .