وأما الخامس فهو شدة الحاجة إلى المواد التي لا قوام لهذا الهيكل إلّا بها ، من المأكولات والمشروبات واللباس والمسكن والمركب والأثاث ، وما لا بدّ منه في قوام الحياة الدنيا ، وما نقاسي من الجهد والبلوى في طلبها ، ليلنا ونهارنا ، في تعلّم الصنائع والتجارات المتعبة ، والمكاسب المكدّة من الحرث والزرع ، والبيع والشّراء ، والمناقشة في الحساب ، والحرص والشره ، وجمع الأموال ، وحفظها من حيل اللصوص ومكابرة القطّاع ، وأخذ السلطان لها بالجور والظّلم ، وحراستها من الآفات العارضة التي لا يحصى عددها .
كلّ ذلك بالكدّ والعناء ، والهموم والغموم ، وتعب الأبدان ، وعناء الأرواح ، وشقاء النفوس التي لا راحة لنا منها إلى الممات .
فهذه حالنا يا أخي ، وحال أكثر أبناء جنسنا في هذه الحياة الدنيا ، فأما من يريد المقام في الدنيا ، ويتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات كلها ، فهو من أجل إحدى خلّتين : إما أنه لا يؤمن بالآخرة ، ولا يصدّق بالمعاد ، ولا يتصوّر الوجود إلّا هكذا ، ويظن ويتوهّم أن بعد الموت عدما أو شرّا محضا ! فمن أجل هذا الرأي وهذا الاعتقاد يريد المقام في الدنيا ، ويتمنى الخلود فيها ، مع هذه الآفات كلّها ، ويكون معذورا في تمنّيه وإرادته الخلود ، لأن في جبلة الخلائق وفي طبائع الموجودات محبّة البقاء ، وكراهية الفناء . مذكور ذلك .
فمن أجل هذه الخصال والشرائط يرضى أكثر أبناء الدنيا المقام فيها ، ويتمنون الخلود .
فأما من قد تصوّر كيفيّة الدار الآخرة ، وتحقّق أمر المعاد ، وعرف فضلها وشرفها ، وسرورها ولذاتها ، ونعيمها ، فأيّ عذر له في التمني للخلود في الدنيا ، مع ما قد عرف من آفاتها وشرورها ، وأحزانها ومصائبها وبلياتها .
فاجتهد ، يا أخي ، في طلب معرفة الدار الآخرة وحقيقة أمر المعاد لكيما تساق نفسك إليها ، بعد الفراق ، مع أهلك زمرا ، كما ذكر اللّه جل ثناؤه بقوله :
« وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً »
.