تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
المعاملة ، والنصيحة فيها ، وحسن الخلق ، وخصال كثيرة محمودة تتبعها ، ويكون ذلك صلاحا لهم ، ولمن يعاملهم ويعاشرهم في الحياة الدنيا إلى الممات . وأما من كان فوق هذه الطوائف في العلوم والمعارف فهو يرى ويعتقد بأن ، مع هذه الأجساد ، جواهر أخر أشرف منها وأفضل ، وليست بأجسام تسمّى أرواحا أو نفوسا . فهو لا يتصور أمر البعث ، ولا يتحقق أمر القيامة إلّا بردّ تلك النفوس والأرواح إلى تلك الأجساد بعينها ، أو أجساد أخر تقوم مقامها ، ثم يحشرون ويحاسبون ويجازون بما عملوا من خير أو شر . وهذا الرأي أجود وأقرب إلى الحق ، وفي اعتقادهم له صلاح لهم ولغيرهم ، كما تقدّم من قبل . وأما من كان فوق هذه الطائفة في العلم والمعارف والدّراية فهو يرى ويعتقد بأن الغرض من كون هذه النفوس والأرواح مع هذه الأجساد ، في الدنيا مدّة ما ، هو من أجل أن تستقيم ذواتها ، وتكمل صورها ، وتخرج من حدّ القوّة والكمون إلى الفعل والظهور ، ولتستكمل أيضا فضائلها من عرفانها أمر المحسوسات ، وتخيّلها رسوم المعقولات ، وتخرّج بالآداب والرياضات والنظر في العلوم الطبيعيات والإلهيات ، وبالاعتبار والتجارب والتدبير والسياسات ، وليكون ذلك سببا لانتباه النفوس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، وتحيا بروح المعارف ، وينفتح لها عين البصيرة ، لتنظر إلى عالمها الروحاني ، وتشاهد دارها الحيواني ، ويتبيّن لها أنها ، في عالم الغربة ، وموضع المحنة والبلوى ، غريقة في بحر الهيولى ، مبتلاة في أسر الطبيعة ، مشتعلة فيها نيران الهاوية الموقدة ، المطلّعة على الأفئدة ، من حريق الشهوات ، أصبحنا في الدنيا معذّبين في صورة المنعّمين ، مجبورين في صورة المختارين ، مغرورين في صورة المغبوطين ، أحرارا كراما في صورة عبيد مهانين ، مسلّطا علينا خمسة حكّام يسوموننا سوء العذاب ، ينفّذون