تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
فإذا أردت يا أخي أن تبلغ إلى أفضل المطلوبات وأشرف الغايات التي هي الأمور العقلية ، فاجتهد في معرفة الأمور المحسوسة ، فإنك بذلك تنال الأمور العقلية . وقد بيّنّا في رسائلنا الطبيعية طرفا من ذلك . ثم اعلم أن معرفة الأمور الجسمانية المحسوسة هي فقر النفس وشدّة الحاجة ، ومعرفة الأمور المعقولة الروحانيّة هي غناها ونعيمها ، وذلك أن النفس في معرفة الأمور الجسمانية محتاجة إلى الجسد وحواسّها وآلاتها لتدرك بتوسّطها الأمور الجسمانية . وأما إدراكها الأمور الروحانية فيكفيها ذاتها وجوهرها بعد ما تأخذها من الحواس بتوسّط الجسد . وإذا حصل لها ذلك فقد استغنت عن الجسد وعن التعليم بالجسم بعد ذلك . فاجتهد يا أخي في طلب الغنى الأبدي بتوسّط هذا الهيكل وآلاته ، ما دام يمكنك ذلك قبل فناء العمر وتصرّم المدّة ، وفساد الهيكل وبطلان وجوده . واحذر كلّ الحذر أن تبقى نفسك فقيرة محتاجة إلى هيكل ليتمّ به ما فاته من الكمال ، فتكون ممن يقول :
« يا لَيْتَنا نُرَدُّ
فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ . »
وتبقى في البرزخ إلى يوم يبعثون . ومن أين لهم أن يشعروا أيّان يبعثون ، ما دامت هي ساهية ، لاهية ، غافلة ، مقبلة على الشهوات الجسمانيّة من اللذّات الجرمانية ، والزينة الطبيعية ، والغرور بالأماني في هذه الحياة الدنيا المذمومة التي ذمها ربّ العالمين فقال :
« أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ »
إلى قوله :
« وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ »
وقال في قصة قارون :
« فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ، قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . »
ثم حكى قول الرّبّانيّين العلماء العارفين بالأمر الأشرف في المراتب العالية :
« وَيْلَكُمْ ، ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ . »
يعنون به الدار الآخرة التي
« لَهِيَ الْحَيَوانُ ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . »
يعني به عالم الأرواح الذي كلّه روح وريحان وتحيّة ورضوان .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 247 | إخوان الصفاء