تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
بالقرب ، فتكون تلك الألفاظ المؤلّفة من الحروف المختلفة الأشكال والسّمات كالأجساد المركّبة من الأعضاء المختلفة ، وتكون تلك المعاني المضمّنة في تلك الألفاظ كالأرواح لها ؛ لأن كل لفظة لا معنى لها فهي بمنزلة جسد لا روح فيه . وكل معنى في فكر النفس ليس له لفظة تعبّر عنه فهو بمنزلة روح لا جسد له . وقد بيّنّا كيفيّة حمل الهواء صور الأصوات وحفظها بهيأتها إلى أن توردها وتؤدّيها إلى السمع في رسالة الحاسّ والمحسوس ، وذكرنا أيضا أن الأصوات ، لما كانت لا تمكث في الهواء إلّا ريثما تأخذ المسامع حظّها ثم تضمحلّ ، احتالت الحكمة الإلهية بأن قيّدتها بالقوّة الصّناعية التي هي الكتابة . وذلك أن القوّة المفكّرة ، لما رأت أن الكلام لا يثبت في الهواء دائما لأنه جسم سيّال ، احتالت حيلة أخرى ، واستعانت بالقوّة الصّناعيّة ، أن نقشت حروفا خطوطيّة بالقلم تحاكي معاني حروف لفظيّة ، ثم ألّفتها ضروبات التأليف ، حتى صارت كتاب مكتتبا ، وأودعتها وجوه الألواح وبطون الطوامير « 1 » ، لكيما يبقى العلم مفيدا فائدة من الماضين للغابرين ، وأثرا من الأوّلين للآخرين ، وخطابا للحاضرين من الغائبين ، وبالعكس . وهذا من جسيم نعم اللّه تعالى على الإنسان ، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه :
« اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . »
ثم اعلم أن للقوّة الصّناعية أفعالا كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى . وقد ذكرنا طرفا من ذلك في رسالة الصنائع . وكذلك القوّة الناطقة لها لغات كثيرة ، وألفاظ مختلفة ، ونغمات مفنّنة لا يحصي عددها إلّا اللّه ، عز وجل ، وقد ذكرنا منها طرفا في رسالة اختلاف اللغات ، وطرفا في رسالة الموسيقى . ثم اعلم أن القوة المفكّرة لها أفعال كثيرة تستغرق فيها أفعال سائر
هامش
( 1 ) الطوامير : جمع طامور ، وهو الصحيفة .