تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
استعانت عند ذلك القوة المفكّرة بالقوة الناطقة في النيابة عنها في الجواب لغيرها ، كما يستعين الملك بحاجبه وترجمانه في النيابة عنه في الخطاب لغيره . ولهذه القوة المفكرة في معلوماتها المحفوظة أفعال أخر ذكرنا طرفا منها في رسالة المنطق ، وطرفا آخر في رسالة الموسيقى ، وطرفا آخر في رسالة الإنسان عالم صغير ، حسب ما يليق بكل رسالة منها ، لأن العلوم كلها لا يمكن أن تجمع في دفتر واحد جسماني . فأما النفس فإنها تجمع علوما شتّى ، وصنائع عدّة ، وأخلاقا مختلفة ، وآراء متفاوتة ، لأنها دفتر روحانيّ لا تتزاحم فيها صور المعلومات كما تتزاحم في الهيولى الجسماني . مثال ذلك أن السواد والبياض لا يجتمعان في محل واحد ، في زمان واحد ، ولا الحلاوة ولا المرارة في جسم ذي طعم ، ولا التّدوير ولا التّربيع في شكل واحد مجسّم ، وما شاكلها من الصّور والأعراض المتضادّة ؛ فإن بعضها يفسد بعضا إذا كانت من جنس واحد . فأما في جوهر النفس فلا تتزاحم فيها الصّور بل كلها تجمع في نقطة واحدة كما تلتقي الخطوط في مركز الدائرة في نقطة واحدة ؛ وكما تلتقي صور المرئيّات كلّها ، مع اختلاف أجناسها ، في المرآة وفي الحدقة التي هي نقطة من العين ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوسات ، فليطلب هناك .

فصل فيما يختصر بالقوة الناطقة من الأفعال

فنقول : اعلم أن من شأن القوّة الناطقة ، إذا استعانت بها القوة المفكّرة في النيابة عنها في الجواب والخطاب ، أن تؤلّف ألفاظا من حروف المعجم بنغمات مختلفة السّمات التي هي الكلام ؛ ثم تضمّن تلك الألفاظ المعاني التي هي مصوّرة عند القوة المفكّرة ، فتدفعها ، عند ذلك ، إلى القوة المعبّرة لتخرجها إلى الهواء بالأصوات المختلفة في اللغات ، لتحملها إلى مسامع الحاضرين
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 244 | إخوان الصفاء