تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣

فصل فيما تتولى القوة المفكرة بنفسها من الأفعال

واعلم يا أخي أنه إذا أوصلت القوة المتخيلة رسوم المحسوسات إلى القوة المفكرة ، بعد تناولها من القوى الحساسة ، وغابت المحسوسات عن مشاهدة الحواسّ لها ، بقيت تلك الرسوم في فكر النفس مصوّرة صورة روحانية ، فيكون جوهر النفس لتلك الرسوم المصورة فيها كالهيولى ، وهي فيها كالصورة . والمثال في ذلك أن الإنسان إذا دخل مدينة من البلدان ، وطاف في أسواقها ومحالّها ، وعاين طرقاتها ، وشاهد أهلها ، ورأى هيئاتهم ، وسمع أقاويلهم ، وعرف شمائلهم ، ثم خرج منها ، وغابت مشاهدة حواسّه لها ، فإنه كلما فكر في تلك المدينة وما شاهد فيها ، تخيّلها كأنه يراها معاينة ، على مثل ما كان شاهد في وقت كونه فيها ، لو كان ذكر لها بعد حين من الدهر . فتلك الفكرة ليست شيئا سوى لمحات النفس إلى ذاتها . وتخيّلها لصورة تلك المدينة وما رأى فيها من الموجودات ليس شيئا سوى صور تلك الموجودات انطبعت في جوهر نفسه كما ينطبع نقش الفصّ في الشمع المختوم . وعلى هذا القياس حكم سائر المحسوسات من أول استعمال آلات الحواسّ إلى وقت تركها لها عند الممات الذي هو ترك النفس استعمال الجسد . واعلم يا أخي أنه إذا حصلت رسوم المحسوسات في جوهر النفس ، فإن أول فعل القوّة المفكّرة فيها هو تأمّلها واحدة واحدة لتعرف معانيها وكمياتها وكيفياتها وخواصها ومنافعها ومضارها . فإذا حصل العلم بهذه المعاني ، أودعتها القوة الحافظة إلى وقت التذكار . فإذا أراد الإنسان الإخبار عن معلوماته للمخاطبين له ، والجواب للسائلين له عن متصوّراته ومفهوماته ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 243 | إخوان الصفاء