تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
لها ، لأنها أنقص حالا من الجسم ، إذ كان لا وجود لها إلّا بتوسط الجسم . وأما الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها التي زعموا أنها أعراض حالّة في الجسم ، وبها يفعل هذه الأفعال - وهاهنا وقع اللّبس - فإنها ليست هي أعراضا جسمانية ، بل هي أعراض روحانية توجد في بعض الأجسام بمقارنة النفس إياها لها ، وتفقد عند مفارقتها إياها . فصح بهذا الاعتبار أن مع الأجسام الحيوانية جواهر أخرى غير جسمانية ، هي الفعّالة في الأجسام هذه الأمارات التي تظهر في بعضها دون بعض ، وسمّوها نفوسا . ولما رأوا أن النفوس تتفاضل بعضها على بعض بأمر آخر مؤيّد لها ، ومفيض عليها الخير والفضائل ، علموا أنه جوهر أشرف وأفضل من جوهر النفس ، وسمّوه العقل . ولما كان العقل هو المقرّ على نفسه بأنه مربوب ، وله مدبّر خالق ، صانع حكيم نزّهه من جميع صفات النّقص ، فحينئذ صح لهم ، وبهذه الاعتبارات ، ما قالوه ووصفوه من مراتب هذه الموجودات الروحانية التي تقدّم وصفها وذكرها ، وهي الهيولى الأولى ، والنفس ، والعقل ، والباري ، جلّ ثناؤه . واعلم يا أخي أنه قد بان بما ذكرنا أن النفس الكليّة هي جوهرة روحانية فاضت من العقل الذي أشارت إليه الفلاسفة ، وأنها كالهيولى الموضوع له ، لما يفيض عليها من الصور والفضائل والخيرات لتكمل هي ، وأنها كالصانع المصوّر للجسم بما تنقش فيه من الصور والأشكال لتتمّه بذلك . واعلم أن النفس الكلّية هي صورة فيها جميع الصّور ، كما أن الجسم الكلّي شكل فيه جميع الأشكال ، غير أن الصّور في ذات النفس لا تتراكم ولا تتزاحم ، لأنها جوهرة روحانية لطيفة ، حيّة ، علّامة ، فعّالة . وأما الجسم فإن الأشكال تتراكم فيه وتتزاحم من أجل أنه جوهر غليظ ، كثيف ، ميّت ، جاهل ، منفعل ، كما بيّنّا في رسالة المبادي .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 240 | إخوان الصفاء