تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
في بعض أبدانه لحما ودما ، وبعضها ثفلا « 1 » وسمادا ، ويرد إلى أصول النبات ليتغذى منه ويصير حبّا وثمارا ثانيا ، ويتناوله الحيوان أيضا . فإذا تؤمّل هذا من حالها وجد كأنه دولاب دائر . وأما أجسام الحيوان فإنها كلها تعود إلى التراب ، وتبلى وتصير ترابا ، ويكون منها ثانيا النبات ، ومن النبات حيوان كما بيّنّا قبل ، فإذا تؤمّل ذلك أيضا وجد كأنه دولاب يدور . وأما أحوال البشر ، إذا اعتبرت ، فكلّها دائرة كالدواليب ، وذلك أن الإنسان يبتدئ كونه من النّطفة ، ثم ينشأ وينمو ويتمّ ويبلغ إلى أن يتولد منه النّطفة ، فينتهي العود إلى حيث خرج لقضاء شهوته ونتاج مثله . وكذلك بدء كونه ناقص القوة ضعيف البنية ، ثم يرتقي ويتزايد إلى أن يبلغ أشدّه ، ثم يأخذ في الانحطاط والنقص إلى أن يردّ إلى أرذل العمر « 2 » كما كان بديّا ، وكما ذكر سبحانه فقال :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ »
وكما قال سبحانه :
« خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً . »
هامش
( 1 ) الثفل : ما استقر تحت الشيء من كدورة . ( 2 ) أرذل العمر : أسوأه .