يا منير العالم الحسّيّ بالعقل المنير أنت مبدي الكلّ ما زلت على مرّ الدهور لم يزل في علمك العالم من قبل الظهور ، متقن الصّنعة كالصّورة في وهم الضمير ثم أظهرت إلى الوجدان ، إظهار البصير ، جملة أبدعتها إبداع خلّاق قدير
فصل في المبادي الروحانية والجسمانية مع ومراتبها
اعلم أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن أول شيء اخترعه اللّه ، جل ثناؤه ، وأوجده جوهر بسيط روحاني في غاية التمام والكمال والفضل ، فيه صور جميع الأشياء يسمّى العقل الفعّال ؛ وأن من ذلك الجوهر فاض جوهر آخر دونه في الرّتبة يسمى الرّتبة الكلّية ، وانبجس من النفس جوهر آخر يسمى الهيولى الأولى ؛ وأن الهيولى الأولى قبلت المقدار الذي هو الطول والعرض والعمق ، فصارت بذلك جسما مطلقا وهو الهيولى الثانية .
ثم إن الجسم قبل الشكل الكريّ ، الذي هو أفضل الأشكال ، فكان من ذلك عالم الأفلاك والكواكب ما صفا منه ولطف ، الأول فالأول من لدن الفلك المحيط إلى منتهى فلك القمر ، وهي تسع أكر بعضها في جوف بعض : فأدناها إلى المركز فلك القمر ، وأبعدها وأعلاها الفلك المحيط ، ويسمى أيضا الفلك الحامل للكلّ الذي هو ألطف الأفلاك جوهرا وأبسطها جسما ؛ ثم دونه فلك الكواكب الثابتة ، ثم دونه فلك زحل ، ثم دونه فلك المشتري ، ثم دونه فلك المرّيخ ، ثم دونه فلك الشمس ، ثم دونه فلك الزّهرة ، ثم دونه فلك عطارد ، ثم دونه فلك القمر ، ثم دون فلك القمر الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض ، فالأرض هي المركز وهي أغلظ الأجسام جوهرا وأكثفها جرما .