فصل
اعلم أن علّة وجود العقل هو وجود الباري ، عز وجلّ ، وفيضه الذي فاض منه . وعلّة بقاء العقل هو إمداد الباري ، عز وجل ، له بالوجود والفيض الذي فاض أولا . وعلّة تماميّة العقل هي قبول ذلك الفيض والفضائل واستمداده من الباري تعالى . وعلة كمال العقل هي إفاضة ذلك الفيض والفضائل على النفس بما استفاده من الباري عز وجل . فبقاء العقل إذا علة لوجود النفس ، وتماميّة العقل علة لبقاء النفس ، وكماله علّة لتماميّة النفس ، وبقاء النفس علّة لوجود الهيولى ، وتماميّة النفس علة لبقاء الهيولى .
فمتى كملت النفس تمّت الهيولى . وهذا هو الغرض الأقصى في رباط النفس بالهيولى ، ومن أجل هذا دوران الفلك وتكوين الكائنات لتكمل النفس بإظهار فضائلها في الهيولى ، وتتمّ الهيولى بقبول ذلك . ولو لم يكن هذا هكذا لكان دوران الفلك عبثا .
واعلم يا أخي أن العقل إنما قبل فيض الباري تعالى وفضائله التي هي البقاء والتمام والكمال دفعة واحدة بلا زمان ولا حركة ولا نصب لقربه من الباري ، عزّ وجل ، وشدّة روحانيته . فأما النفس فإنه لما كان وجودها من الباري ، جلّ ثناؤه ، بتوسّط العقل ، صارت رتبتها دون العقل ، وصارت ناقصة في قبول الفضائل ، ولأنها أيضا تارة تتوجه نحو العقل لتستمد منه الخير والفضائل وتارة تقبل على الهيولى لتمدّها بذلك الخير والفضائل . فإذا هي توجّهت نحو العقل لتستمد منه الخير ، اشتغلت عن إفادتها الهيولى ذلك الخير .
وإذا هي أقبلت على الهيولى لتمدّها بذلك الفيض ، اشتغلت عن العقل وقبول فضائله .
ولما كانت الهيولى ناقصة الرّتبة عن تمام فضائل النفس ، وغير راغبة في فيضها ، احتاجت النفس إلى أن تقبل عليها إقبالا شديدا ، وتعنى بإصلاحها