كان بقضاء اللّه وقدره وحكمه عليهم ، وإن ما حكمه اللّه تعالى لا يقدر أحد على دفعه ، فيكون هذا تسكينا لما سمع من ذكرهم وأفعالهم وأعمالهم وقبائح ما أتوه من أفعالهم ، فوسوسوا لجهّال الناس والنساء خصوصا أن ما يفعلونه إنما هو محكوم عليهم به ، لا يمكنهم دفعه ، فجعلوا هذا الاعتقاد مذهبا ، وأقدموا على المعاصي بهذه الحجة . وإن ردّ واحد قولهم ، قيل له :
أنت كافر قدريّ « 1 » . فيقول : إنما قضاء اللّه تعالى وقدره ، يمكن أن يحترز منه . ولم يعلموا ما القضاء والقدر ، ولم يطلبوا علمه من أهله ، ونشأ على ذلك الصغير ، واعتاده الكثير ، وإلى حيث انتهينا هو مذهب أكثر العوامّ وبعض من عنده أنه متميّز . وإنما ذكرت هذا بحسب ما أوجبه ذكره في هذا الفصل .
ثم اعلم أن أصل العداوة في الدنيا والدين الحسد كما قال اللّه تعالى :
« أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . »
وقال تعالى :
« وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ . »
فالحسد يخرب الديار ويوقع الفتن ويورث البغضاء والحقد والغضب والتعدّي والظّلم والجور وما شاكل ذلك . وهو أيضا من أكبر الأسباب في اختلاف الآراء والمذاهب ، وذلك إذا اتخذ رجل مذهبا ومال الناس إليه ورغبوا فيما عنده ، فيراه آخر من أبناء جنسه ، فيحسده ، ويحيل فكره ويعمل رأيه إلى أن ينحت له من الحجج والكلام ما يفسد به ما أورده . ولا يزال يطعن عليه ويسعى في فساده ويلغط في أصله ووضعه .
فهذا يكون سبب الاختلاف وتكثّر المذاهب ، مع اعتمادهم على صدق صاحب الشريعة الذي أنزل عليه القرآن .
وإذا صح ذلك لهم ، كان في اختلافهم منفعة ، لأن في العرب كثيرا ممن يخالف بعضهم في كثير من اللغة العربية ، وإنما أراد اللّه تعالى إفهام الكل
هامش
( 1 ) القدري : من ينكر القدر .