فقالوا له : كيف لنا بذلك ؟
فقال لهم : طوفوا واطلبوا من هذه صفته ، فإنكم إن تظفروا به قدّموه .
وكان بالقرب منهم باز قد كبر وخرف وضعفت قوته عن الصيد ، وأنحل جسمه ، وتناثر ريشه من قلة المعيشة وتعذّر القوت ، فبلغه خبر الغربان وما أجمعوا عليه ، فبرز من وكره إلى حيث ممرّهم عليه ، وأقبل يكثر التهليل والتسبيح ، ويظهر التخضّع والتّورّع ، فأقبلت الطيور تطير على رأسه ، فلا يولع بها ولا يمشي إليها . فلما رأته الغربان على تلك الحال ، ظنوا أنه يفعل ذلك صلاحا وديانة ، فاجتمع بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ما نرى في جماعة الطيور مثل هذا البازي ، وما هو عليه من الديانة والزّهد ، فهلمّوا بنا نولّه علينا .
فأتوا إليه وأخبروه بما عزموا عليه فانقبض من ذلك ، وأراهم من نفسه الزّهادة فيما عزموا عليه . فلم يزالوا به حتى قبل منهم ، فصار خليفة فيهم وملكا عليهم . فقال في نفسه : كنتم تحذرون من البلاء وما أراه إلّا وقد وقع بكم .
فلما تمكن منهم وقوي عليهم بما كانوا يأتونه من الرزق ويجعلون له من الأجرة على ذلك ، وقوي جسمه ونبت ريشه ، وعادت إليه صحته ، أقبل يخرج كلّ يوم عدّة من الغربان فيخرج عيونها ، ويأكل أدمغتها ، ويطرح ما سوى ذلك من أجسادها . فأقام فيها مدة . فلما دنت وفاته اعتمد على بعض أبناء جنسه فملّكه عليهم ، فكان أشدّ منه وأعظم بليّة وأكبر رزيّة .
فقالت الغربان بعضها لبعض : بئس ما صنعنا بأنفسنا ، وقد أخطأنا . فندموا من حيث لم تنفعهم الندامة ، وكان ذلك سبب الخلف والمنازعة .
فتفكر أيها الأخ في هذا المثل واعتبر به في أحوال من مضى ، ولا تغفل هذه الإشارات ، وإياك وإظهار المخالفة والعداوة ، والدّخول فيما دخل فيه
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 168
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٦٨