تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
والإفصاح عما تهمّ الحاجة إليه من أمر الدين والدنيا . وكان النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، يجيب السائل من أمته بلغته ويكلّفه ويكلمه بلسانه . فأما غيرهم فإنه يكلمهم ، صلى اللّه عليه وسلم ، بكلامهم ، وإنما بعث إليهم وأقام فيهم ، وعلّمهم وأرشدهم ، وسهّل عليهم الألفاظ ، وضرب لهم المعاني ، وأخذهم بالملاطفة ، حتى فهموا الدين ، وتعلموا القرآن بلسان فصيح لا يخطئ فيه ولا يغيّره ولا يبدّله ، إذا كان صحيح الحفظ متقن التلقين . ولذلك ما يقال في الصلاة وفي الحج من التّلبية والإحرام والدّعاء والابتهال إلى اللّه تعالى ، يقال فيه ولا يفهم ما سوى ذلك . ثم اعلم أن مثل الأمة ، إذا تركت وصيّة نبيها ، واختلفت من بعده ، واعتمدت على رأيها ، وأرادت أن تملّك عليها ملكا ، وتنصبّ فيما بينها خليفة بغير معرفة من الرسول ولا وصيّة منه ولا إرشاد ، ورأت في اجتماعها منفعة لها وصلاحا لأمورها من غير نصّ ولا إشارة ، فمثلها ، كما يذكر ، مثل الغربان والبزاة فيما قيل في أمثال الهند إن الغربان كان عليهم ملك منهم ، وكان بهم رحيما وإليهم محسنا ، وإن ذلك الغراب مات ، واختلفوا من جهة من يملّكونه عليهم من بعده ، وتحاسدوا وخافوا أن تقع بينهم العداوة . فقال بعضهم لبعض : تعالوا حتى نجتهد في الرأي ونجمع العلماء وأهل الفضل فينا ، ونعقد مجلسا للمشاورة فيمن يصلح لهذا الأمر ، وفيمن ينبغي أن يكون ملكا علينا . فاجتمعوا وتشاوروا وقالوا : لا نرضى بأحد من أهل الملك الذي كان فينا ، مخافة أن يعتقد ويظنّ أن الملك إنما ناله وارثا من أبيه وأقاربه ، فيسومنا سوء العذاب ، وإذ كنا نحن نتولّى إقامة من نقيمه ، كنا نحن أصحاب المنّة عليه والإحسان عليه . قال أحدهم : وإذا كان الأمر على هذا ، فعليكم بأهل الورع والدين ، فإن صاحب الورع والدين لا يكاد يهجم على الأمور الدّنيوية ولا يرغب في الدنيا .