عظمته ، أو بوحيه على ألسنة ملائكته ، ويقيدها بصورة أخرى من الكتابة ، وينطق بلغة أخرى غير اللغة الأولى ، وينسخ الأسماء من اللغة الأولى إلى اللغة الثانية . فإذا تم ذلك له ونطق به ، وأكمل الصّناعة النّطقية ، وقيدها بحروف الكتابة ، وضم الأشكال إلى أشكالها ، والخطوط إلى أمثالها ، ثمّ عرّفها أقرب الناس إليه وأكرمهم لديه ، فيصطلح عليها هو وأهل بيته وعشيرته ثم أهل مدينته ، وبعد ذلك أهل بقعته ثم أهل إقليمه . ثم تنتشر في العالم وينشأ عليها الصغير ، ويأنس بها الكبير من تلك الأمة ، وينقل الشريعة والملّة من اللغة الأولى إلى الثانية ، ويجدّد الأحكام والأوامر والنواهي والصلاة وأحكام الشريعة إلى تلك اللّغة التي نطق بها والأمة التي أرسل إليها .
وكل حكيم من الحكماء أو ملك من الملوك إذا أراد نقل علم أو حكمة أو دين أو شريعة من لغة إلى لغة ، أو من أمة إلى أمة ، فإنه يتهيأ ذلك له بتوفيق اللّه تعالى وموجب مولده وسعادته ، حتى يتمكن من ذلك ويقدر عليه مثل ما فعل سليمان ، عليه السلام ، لما آتاه اللّه الملك وجعل له القوة والقدرة ، كيف نقل العلوم والحكمة من جميع اللغات ، حين قهر ملوكها وذلّل رؤساءها ، إلى اللغة العبرانية . وكذلك فعل ملك الروم ، فإنه لما غلب اليونان وقهرهم ، نقل علومهم وحكمهم من اللغة اليونانية إلى اللغة الرومية .
وكذلك فعل ملوك يونان بمن غلبوا عليهم ، فلذلك اختلفت اللغات وتباينت الآراء والديانات ، وكان ذلك لعلل وأسباب يطول شرحها . وكل ذلك بأمور فلكية وأحكام سماوية ومشيئة إلهية ، ذلك تقدير العزيز العليم .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 150
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٥٠