تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧

فصل

ثم إن ما دون فلك القمر لطيف وكثيف يجري عليه التغيّر والاستحالة ، وذلك أن النار تستحيل فتصير هواء ، والهواء يستحيل فيصير ترابا ، والتراب يستحيل فيصير ماء ، والماء يستحيل فيصير هواء ، والهواء يستحيل فيصير نورا . فالنار صار أولها يتصل بالهواء وآخرها يتصل بالنور . وأول طرف الهواء متصل بالماء وآخره متصل بالنار . وأول الماء متصل بالتراب وآخره متصل بالهواء . فمن جهة طرفه الأعلى يتصل بما فوقه وبطرفه الأدنى يتصل بما دونه ويستحيل إليه . فانظر يا أخي كيف أوجبت الحكمة التغيير والاستحالة والزوال والانتقال من حال إلى حال في الموجودات الطبيعية ، والعلة في ذلك هو جزاء النفوس بما كسبت ، وعقوبتها بما جنت ، لأن عالم الأرواح لا تغيّر فيه ولا تبديل ولا زوال ولا انتقال . ثم اعلم أن كيفية إدراك الحاسة السامعة بجميع أصوات ما في العالم من الإنس وسائر الحيوان والنبات والرياح والأشجار وما شاكل ذلك من كل شيء له صوت وحركة ينقسم عددها إلى ثلاثة أقسام : أحدها حي ، والآخر ميت ، والثالث لا حي ولا ميت . وكلام الإنسان وصوت الحيوان حيّ ذو حركات نفسانية . وصوت الحجر والخشب والحديد والنحاس وما شاكلها ميت . والقسم الثالث لا حي ولا ميت مثل صوت الهواء إذا تدافع وصدم بعضه بعضا ، وحدث منه الصفير والزمير ، وصوت تدافع الماء في التلاليع ، وأمواج البحار وجريان الأنهار ، وصوت زفير النار ، فإن هذه لا يقال لها حيّة كما يقال للإنسان والحيوان إنه حي ذو حركة يقصد لغرض يناله بحركته ، ولا يقال إنها ميتة كموت الحجر والخشب ، لأنها متحركة بالاتفاق لا بالقصد ، ولأنها تقوّي مرّة حركة الهواء ومرة تسكنها ، وكذلك الماء والنار . ثم يجمع
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 127 | إخوان الصفاء