السمع كلّها روحانية ، وأن النفس بطريق السمع تدرك من هو غائب بالمكان والزمان ؛ وأن محسوسات البصر كلّها جسمانية ، لأنها لا تدرك إلّا ما كان حاضرا في ذلك الوقت . وقال إن السمع أدقّ تمييزا من البصر ، إذ يعرف جودة الذوق ، وجودة الحس ، والكلام الموزون ، والنغمات المختلفة ، والفرق بين السقيم والصحيح والمستوي والمنزحف ، وصوت الطير من صوت الكلب ، وصوت الحمار من صوت الجمل ، وأصوات الأصدقاء من أصوات الأعداء ، وما يحدث من أصوات الأجسام التي لا روح فيها ، وأصوات الناس على اختلافهم ، وأشكال كلامهم ، فتخبر عن كل صوت بما هو دأبه ، وتنسبه إلى الذي بدا منه ، ولا يحتاج إلى البصر في ذلك وفي إدراكه . والبصر يخطئ في أكثر مدركاته ، فإنه ربما يرى الصغير كبيرا ، والكبير صغيرا ، والبعيد قريبا ، والقريب بعيدا ، والمتحرّك ساكنا ، والساكن متحرّكا . فصح بهذا القول أن السمع ألطف وأشرف من البصر ، ولنعم ما قيل :
الشمس تستصغر الأجسام جثّتها ، * فالذنب للعين لا للشمس في الصّغر
فإذا كان كذلك ، كانت الحواسّ الخمس الموجودة في الإنسان المستوي البنية ، التامّ الخلقة ، مناسبة للطبائع الخمس في جسم العالم الذي هو الإنسان الكبير . فحاسة اللمس مناسبة لطبيعة الأرض ، لأن الإنسان يحس بجسمه كلّه . وحاسّة الذوق التي هي اللسان مناسبة لطبيعة الماء ، إذ بالمائيّة والرطوبة التي في اللسان والفم تدرك طعوم الأشياء ، وسنشرحها إذا انتهى بنا القول إلى تفصيل ذلك وبيانه . وحاسّة الشم مناسبة لطبيعة الهواء لأن القوة الكامنة هوائية وهي المستنشقة للهواء ، وبه تدرك روائح الأشياء . والحاسة الباصرة مناسبة لطبيعة النار ، إذ بها وبالنور تدرك محسوساتها ، والحاسة السامعة مناسبة لطبيعة الفلك الذي هو مسكن الملائكة الذين شعارهم