تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
تعرج به الأرواح وتنزل به النفوس إلى عالم الكون والفساد ومجاورة الأجساد . ولما كان للهواء هذه الفضيلة ، صار يحفظ لكل شيء صورته تامّة ويحوطه حتى يبلغه إلى الحال المقصود به ، بحسب ما جعله فيه باريه ، جلّت قدرته ، بحكمته ، ليكون بذلك إتقان الصنعة وإحكام الخلقة ، فلذلك صارت تدركها بما هي به ، إذا كانت الحاسّة سالمة والأداة كاملة . وهكذا حاسة الشم تقبل من الهواء ما يحمله من الروائح ، فإنه يحفظها ويتبع الإحاطة بما يعرض من الروائح عن كثير من الأجناس ، ثم تؤديها إلى حاسة الشم ، فتخبرها عن كل رائحة بما هي به وعمّا فاحت عنه ، ولذلك قيل : عالم الأرواح روح وريحان ، ونغمات وألحان ، وكذلك النور يحفظ الألوان على الأجسام ، ولا يخلط بعضها ببعض ، وتدركها القوة بما هي به ، إذا كانت الحاسة سالمة . ثم إنه متى حدث ببعض الحواس حادث أوجب تغيّر إدراك الحاسة ، فليس ذلك لفساد في الهواء والضياء ، ولكن لفساد المزاج واضطراب البنية . فإذا كانت الحاسة سالمة ، وجاءتها الأشياء بخلاف ما تعهد ، فليس ذلك لفساد فيها ، لكن للحادث الذي حدث في الهواء والضياء . وذلك أن الهواء يتغير ويتكدر ، والضياء يظلم ، ولذلك صار البصر لا يدرك بعد مغيب الشمس ما كان يدركه وقت طلوعها . وكذلك السمع لا يدرك من الأصوات في وقت هيجان الريح وحركة الهواء ما كان يدرك من ذلك في وقت سكون الهواء وهدوء الرياح .