تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
والعدل في الطلب هو ما لم يمل إلى الإلحاح في المسألة ، ولا إلى الابتهال والخضوع . والحر لا يكون مهينا والكريم لا يكون لجوجا . ولهذا قيل : القنوع خير من الخضوع ، والعدل في السياسة ما لم يمل إلى عبوس موحش ولا ملق مدهش . فإن العبوس يشين المودة ، ويزيل ما في القلب من صفاء المحبة ، والملق يذهب برونق المروءة . ولهذا قيل من كثر ملقه لم يعرف ودّه . والعدل في البلاغة ما لم يقصر عن درك البغية ، وإصابة المعنى ، وقصد الغرض . ألا ترى أن الهذر في المنطق بعد بلوغ الغاية لا يحتاج إليه ، ولو كانت البلاغة هي البلوغ إلى غايات المعاني ، لكان العالم كلهم بلغاء ، خاصّهم وعامّهم . لأنه ما من أحد إلّا وهو إذا عبّر عمّا في نفسه بلغ غرضه في إفهام السامع عنه ما يريده منه ، على حسب استطاعته وما تساعده عليه آلاته . وإنما البلاغة هي التوصّل إلى إفهام المعنى بأوجز مقال وأبلغ كلام ، ليعرف به المراد بأسهل المسالك وأقرب الطرق بواضح البيان وصادق المقال . والإيجاز في ذلك ما بلغت غاياته بيسير اللفظ ، والإطناب ما بلغت غاياته بالتطويل ، فصارت البلاغة حينئذ التوسط بين الحالتين ، والتوصل إلى إدراك الغاية من أقرب الطرق . وقيل البلاغة معرفة مواضع المفاصل المطلوبة بألفاظ مفهومة ، والبليغ هو الذي لا يؤتى سامعه من سوء إفهامه ، والفهيم الذي لا يأتي بسوء فهم من يريد إفهامه بتقصير عن البلاغة في خطابه أو كتابه ، فيخرق بفهمه وصفاء ذهنه تلك الحجب الحائلة بينه وبين المعنى الذي يقدر على الفهم ، لأنه يجرّده من تلك الشوائب المعوّقة له عن البيان والإيضاح . والبلاغة في اللغة من بالغت في كذا وكذا ، وهي مشتقّة من المبالغة . يقال بلغت أبلغ بلوغا ، فالمصدر منه بلاغة ، فأنا بالغ . وتقول أبلغت الكلام وبلّغته إلى فلان أي أدّيته إليه . واعلم أن المعاني تنطق بها أفواه السّوقة والعوامّ في الأسواق والطرق ، ولكن قلّ من يحسن العبارة عنها . وربما أراد المعنى فعبّر عن غيره وهو يظن
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 121 | إخوان الصفاء