تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
الوضعيّ والمنهاج الشرعيّ ، وما تفرع من ذلك الأصل ، وما ينقسم من ذلك النوع . ثم اعلم أن أصل الاختلاف في اللغات إنما هو لما كثرت أولاد بني آدم ، وانتشروا في جهات الأرض ، ونزلت كلّ طائفة منهم إقليما من أقاليمها وقطرا من أقطارها من الرّبع المسكون ، تولّى كلّ قوم ، في وقت نزولهم ذلك الإقليم ، كوكب من الكواكب السبعة المدبّرات ، فعقد لهم عقدا نشأ عليه صغيرهم ، ومات عليه كبيرهم . ثم اعلم أن الكلام الدالّ على المعاني مخصوص به عالم الإنسان ، وهو النّطق التامّ بأي حروف كتب . والحيوان لا يشرك الإنسان فيه من الجهات المنطقية والعبارات اللفظية ، لكن من جهة الحركة الحيوانية والآلة الجسمانية ، والحاجة فيها إلى ذلك . لأنك تجد كثيرا من الحيوانات تريد بأصواتها دفع المضارّ وجذب المنافع ، تارة لأنفسها ، وتارة لأولادها ، مثل صياح البهائم إذا احتاجت إلى الأكل ومنعت منه ، وإلى شرب الماء وذيدت عنه ؛ ومثل استدعاء أولادها وما غاب عنها ؛ وما شاكل ذلك من الطيور التي تحاكي الإنسان ، ومحاكاة القرد للإنسان في جميع أفعاله وأكثر أعماله . فهذه الأشياء ، لمّا يريد الحيوان التطريب والتصويت والصّياح لها ومن أجلها ، فإنه لا يقال لها معان علمية ، وإنما يقال لها إرادات طبيعية . فأجساد الحيوانات مجبولة عليها ، وإنما استدعاؤها إياها بالتصويت في بعض الأوقات ، إذا عدمتها وحيل بينها وبين ما تريد ، وقلّ ما يكون دالّا بأصواتها على الأمر الأعمّ ، ولا معنى لها ، ولا يعرف المراد منها ولا القصد كصياح الطيور في أكثر أوقاتها . منها ما يصوّت بالليل ، ومنها ما يصوّت بالنهار ، وكذلك الحيوانات أكثرها . ولكن المراد بها منها كلّها اجتماع الجنس وقيام الشكل إلى الشكل ، وبحسب ما في كل شخص من أشخاصها من قوّة الحرارة الغريزية وحركة النفس الحيوانية ، فإن كل شخص أكثر حرارة وأقوى حركة