تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
العمارة ، وهو بيت الزّهرة . وكانت حسنة الحال مستقيمة في مسيرها ، صاعدة في أوجها ، مشرقة أنوارها ، وكان في هذا الحدّ اجتماع آدم وحواء ومماسّتهما ، فحملت منه ، وكان ذلك ابتداء النسل . وجرى حال الحمل على ما ذكرنا في رسالة مسقط النّطفة . فلما كثرت أولادهما تولى آدم تعليمهم وتأديبهم وتهذيبهم ، وعلمهم كيفيّة الحرث والزرع وازدواج الذكور والإناث ، وعمروا العالم وعاينوا الحيوانات وما تصنعه بعضها ببعض ، وما يطلب من منافعها ، فاقتدوا بها في أفعالهم ، وأيّد اللّه تعالى آدم ، عليه السلام ، بوحيه وإلهامه لمّا تاب عليه بما يكون له به صلاح ، ولذريّته فلاح ، وأقام على ذلك مدّة ما أراد اللّه تعالى ، ثم نقله إلى رحمته وخلفه من خلفه في ذرّيته وأولاده . ولم يزل الأمر على ذلك وبنو آدم مع والدهم يتكلمون بالسريانية ، وقال بعضهم بالنّبطية ، ويفهم بعض عن بعض المعاني وما قصدوا وأرادوا . ووصفوا كل شيء بصفته إلّا أنها لم تكن الحروف مجتمعة بعضها إلى بعض ، ولا مؤلفة بالكتابة ، وإنما كان آدم ، عليه السلام ، يعلمهم تلك الأسماء تلقينا وتعريفا ، كما يعلّم الأشياء ويعرّف من لا علم له بالكتابة والهجاء . ولذلك يقال لمن لا يكتب ولا يقرأ أمّي . وكان الخلق يحفظون تلك الأسماء والصفات عن السّلف ، إلى أن سلّم الدور الثور إلى الجوزاء ، وظهرت الكتابة من أجل أنه بيت عطارد وشرف الرأس ، وهبوط الذنب ، وصارت الحروف في ذلك أربعة وعشرين حرفا ، وهي الكتابة اليونانية ، لأنها قسمت لكل برج حرفين ، فصارت أربعة وعشرين حرفا ، فقيّدت تلك الألفاظ وكتبت الأسماء بالحروف على لغة أهل ذلك العصر . فانظر أيها الأخ إلى هذه الحكمة الصحيحة والصّنعة المحكمة المتقنة كيف تأتي بكل شيء في وقته المقدّر وزمانه الميسّر . وانظر كيف سرت هذه القوى التي هي الأصوات والنغمات أولا في عالم السماوات ، ثم في حركات الهواء ، ثم في حركات النبات ، ثم في أجسام الحيوان ، ثم في عالم الإنسان . فالصوت
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 113 | إخوان الصفاء