فصل
ثم اعلم أن جميع الجواهر تختلف في أنواعها وتتباين في عناصرها وتركيبها ، وكلّ جوهر هيولاني يكون ألطف جوهرا وأشدّ روحانية وأعم خاصيّة ، وإنه يكون لقبول الصورة وحمل الأعراض أسرع انفعالا وأسهل قبولا من غيره . مثال ذلك الماء العذب لما كان ألطف جوهرا من الماء المالح وأصفى ، صار لقبول الطّعوم والأصباغ أكثر قبولا . ولا بد أنه للحيوان أكثر امتزاجا ومخالطة وأكثر نفعا وصلاحا ، وبذلك صار حياة الأجسام ومادّة الحيوان والنبات .
وهكذا لما كان الضياء ألطف من الهواء ، صار قبوله الألوان والأشكال أسرع انفعالا ، وأشد روحانية وبساطة ، وألطف سريانا .
وكذلك جوهر النفس ألطف وأشدّ روحانية من جوهر النور والضياء ، والدليل على ذلك قبوله رسوم سائر المحسوسات والمعقولات جميعها ، فلهاتين العلّتين صار الإنسان يقدر بالقوة المتخيّلة أن يتخيل ويتوهم ما لا يقدر عليه بالقوى الحاسّة ، لأن هذه روحانية وتلك جسمانية ، ولأنها تدرك سائر محسوساتها في الجواهر الجسمانية من خارج ، والقوة المتخيّلة إنما تتخيلها وتتصوّرها في ذاتها . والدليل على ما قلنا أفعال الصّنّاع البشريين . وذلك أن كل صانع يبتدئ ويفكّر ويتخيل ويتصوّر في وهمه صورة مصنوعة بلا حاجة إلى شيء خارج عنه . فإذا أراد إظهار ما في نفسه إلى الفعل عمد إلى هيولى ما ، في مكان ما ، في زمان ما ، فيتصوّر فيها ما كان متصوّرا في ذاته بأدوات ما وحركات ما . وذلك أن كل حيوان لا يبصر ، فهو لا يتخيّل الألوان العرضيّة والأجسام الجوهرية . وما لا سمع له لا يتصوّر ولا يتخيّل الأصوات الكلامية ولا يتوهم الألفاظ المنطقية . فأما الإنسان الصحيح التركيب ، السالم الحواس ، فإنه لما كان يفهم الكلام صار يمكنه أن يتخيل المعنى إذا وصف . والغرض