تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
عليه من طبيعته . وبحسب قوته يكون اتصال ذلك الحادث في الهواء بمسامع الحيوان من الإنسان وغيره . فالإنسان إذا سمع صوت الخشب والحديد والماء والريح أمكنه أن يخبر عن صوت كل واحد منها وينسبه إلى ما حدث عنه وخرج منه . والحيوان لا يعرف ذلك ولا يمكنه أن يعبّر عنه ويفصّل كما عبر الإنسان بقوّة النّطق والبيان عما سمع . وبهذا فضل الإنسان على غيره من الحيوان . وكذلك يجري حاله في حاسة السمع ، فإنه من جهة الهواء يتصل به ذلك ، ويخبر عن كل رائحة بما هي به ، وينسبها إلى الذي فاحت منه . وكذلك يخبر عن حاسّة اللمس إذا لمست الأجسام وعرفت الحاسّة ما كان رطبا ويابسا ، وحارّا وباردا ، ولينا وخشنا ، وما شاكل ذلك . وأما حاسّة البصر فإنما تحتاج في معرفة محسوساتها إلى حواسّ أخر ، لأنها ربما كذبتها محسوساتها مثل ما ترى الكبير صغيرا ، لبعد ما بينها وبينه من المسافة ، والصغير كبيرا في الأرض الواسعة ، والمستوي معوجّا كالمجذاف في الماء وما شاكل ذلك .

فصل

ثم اعلم أن منتهى كل حاسّة إلى القلب مقرّها ، وعنده موئلها ، ولكل حاسة محسوسة مختصة بها ، مجعولة لها ، لا تتعداها ، ولا تتعرض لسواها . فالبصر مختص بالنظر ، والأذن مختصة بالسمع ، والفم مختص بالذوق ، والأنف مختص بالشم . وكل حاسة من هذه الحواس تؤدي محسوساتها إلى القلب ، ويفهم منها حاسة القلب . ثم إن قوة حاسة القلب إذا أدركت من الحواس شيئا وقبلته منها ، أدّته إلى العقل ليدركه . ولولا قوة حاسة القلب ، لبطلت هذه الحواس ، كما