تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
أن الأكمه « 1 » الذي يولد كذلك لا يمكنه أن يتصور السماء ولا موضعها من الجهات ، لأنه لم ير جهة فتؤدّيها الحاسة الناظرة إلى حاسة القلب المناسبة لها ، لأن حاسة البصر تؤدي آثار محسوساتها إلى قوة عاقلة مناسبة لها ، حافظة لما يؤدّى إليها . ولذلك قال تعالى :
« فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
وقد بيّنّا في رسالة الحاس والمحسوس شيئا من هذا بغير هذا الشرح . ثم اعلم أن القلب في الجسد مصوّر على صورة الإنسان ، ولذلك صار أفضل الأعضاء التي في أجسام الحيوان ، وذلك أن له بصيرة يبصر بها ما غاب من حاسة النظر من خارج ، وله مسامع يدرك بها الأصوات ويؤدي إلى حاسّة السمع ما يدركه بها ، وله حاسة اللمس فهو يتشوّق إلى محسوساتها إذا فقدها ، مثل ما يشتاق العاشق عناق معشوقه والتزامه . وكذلك الأكمه لا يتصور بقلبه صور الأشياء ، لأن حاسة البصر لم تؤد إلى الحاسة المختصة بالقلب شيئا ، فتبقى تلك الحاسة فارغة معطّلة ، مغلقة الباب ، لا يطرقها طارق فيكون لها به معرفة . ولكل حاسّة من هذه الحواس مدركات بالذات ومدركات بالعرض وهي لا تخطئ في المدركات بالعرض . مثال ذلك البصر فإن المبصرات له بالذات هي الأنوار والضياء والظّلم . فأما إدراكها الألوان فإن ذلك بتوسط النور والضياء . وأما سائر الأجسام وسطوحها وأشكالها وأوضاعها وأبعادها وحركاتها فهي بتوسّط الألوان ، لأن كل جسم لا لون له لا يرى ولا يدرك البتّة . والمحسوسات التي له بالذات لا واسطة بينها وبينه في إدراكها ، لأنه لا يحتاج البصر في إدراك الضياء والنور إلى شيء آخر ، ولا في إدراك الظلمة أيضا ، وصار بينه وبين النظر إلى الألوان واسطة واحدة وهي النور ، وصار بينه وبين إدراكه
هامش
( 1 ) الأكمه : الأعمى من الولادة .