تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
كيفيّة الأجسام وأسبابها النور والألوان . وكلما كثرت الوسائط بينه وبين النظر ، كان الخطأ فيه أكثر ، واحتاجت الحاسة فيه إلى دليل آخر يحقّق نظرها ويصدّق خبرها . من ذلك السّراب فإنه آخذ من لون الماء بياضه ، ومن الضياء إشراقه ، فحار فيه النظر وحال البعد فيما بين النظر وبينه عن الحكم عليه بما هو به ، فظنّه ماء ، فلما جاءه لم يجده شيئا ؛ وكالمجذاف الذي هو غائص في الماء ، فإن البصر لا يدركه إلّا معوجّا ، لأنه قد زاد فيما بينه وبينه واسطة أخرى وهي الماء ، وكذلك ما يكون في الماء من الأشياء ، فإن البصر لا يدركها على ما هي به . وكذلك حال الشيء البعيد فإن الوسائط بينه وبين البصر كثيرة وهي الضياء والهواء ، وكلما بعد ازداد في الصّغر والتلاشي في البصر إلى أن يغيب . وأما حاسة السمع فإنها لا تكذب وقلما تخطئ ، وذلك لأنه ليس بينها وبين محسوساتها إلا واسطة واحدة وهي الهواء ، وإنما يكون خطؤها بحسب غلظ الهواء ورقّته ، وذلك أنه ربما كانت الريح عاصفة والهواء متحركا حركة شديدة ، فيصوّت المصوّت في مكان قريب من المسامع ، فلا يسمع من شدة حركة الهواء وهيجانه ، فتكون حركة ذلك الصوت يسيرة في شدة حركة الهواء وهيجانه ، فيضعف عن الوصول إلى الحاسة السامعة . وإذا كان الهواء ساكنا ، وصل ذلك الصوت إلى الحاسة ، إذا كان في مكان يمكن أن يتصل به ذلك التموّج والحركة الحادثة في الهواء . فأما إذا كانت المسافة بعيدة فإنها لا تدركه وتتلاشى تلك الحركة وتنفد قبل وصولها إليها . وهكذا حاسة الشم فإنها تدرك من ذلك بحسب غلظ الهواء ورقّته وسكونه وحركته ، وذلك أنه إذا كان الهواء غليظا فإنه قل ما تجد الروائح في الجهات وقل ما تسري فيه . وإذا كان صافيا رقيقا والمسافة قريبة ، فإنها تتصل بمشامّ الحاضرين ، وإذا بعدت تفرقت تلك الروائح في الجهات ولم يدرك شيء منها . وأما قبول الهواء للأصوات والروائح فإني أشرحه لك بعون اللّه .