تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
ولم يزل شقيّا منغّص العيش ، مبتلى كالزّمنى « 1 » والمفاليج والناقصي الخلقة ، الغير تامّي الصورة . فهكذا الحكم والقياس في الدار الآخرة بعد الموت ، وذلك أن الإنسان إنما يترك في هذه الدنيا مقدار ما يمكنه تتميم أحوال نفسه مع الجسد ، كما ذكر ذلك في كتب الطبيعة والحكمة ، وتكمّل فضائلها بالكون في الدنيا ، كما ذكر في كتب النبوّة . فإذا فارقت النفس الجسد عند الموت الذي هو ولادة ثانية ، انتفعت بالحياة في الدار الآخرة ، ويمكنها الصعود إلى ملكوت السماوات ، كما قال المسيح ، عليه السلام : « من لم يولد ولادتين لا يلج في ملكوت السماء » . وقد أوصى الأطباء بالوالدين ، وأمروا الحوامل من النساء بالرفق بأنفسهن في حركاتهن وتصرفاتهن ، باعتدال وبوسائط بلا إفراط ولا تقصير ، كيما يسلم الجنين من الآفات العارضة هناك ، ويخرج الطفل سالما إلى هذه الدنيا ، ويتربّى ويعيش وينتفع بالحياة . وهكذا وصية الأنبياء ، عليهم السلام ، وواضعي الناموس ، الذين هم أطباء النفوس للأمم المبعوثين إليها فيما فرضوا في أحكام الدين والشرائع والسّنن للناس من اجتناب المحارم والمحرّمات والشّبهات الممرضة للنفوس ، المهلكة لها بالانهماك وتجاوز الحد والمقدار في تناولها من غير وجوهها المحلّلة لها ، كلّ ذلك لكيما تسلم نفوسهم من آفات هذه الدنيا الغدّارة المكّارة المهلكة لأولادها بعد تربيتها لهم . وكما أن الأشخاص ، لو ساعدوا الطبيب فيما أمر وبيّن من جهة مأكولاتهم ومشروباتهم في حالة الصحة والمرض ، يستفيدون ، وبمخالفتهم ذلك ينحرف مزاجهم ، أما الصحيح فإلى المرض ، وأما المريض فإلى طول المرض وإلى الهلاك ، كذلك هاهنا الأنبياء هم أطباء النفوس وسبب الهدى وطريق المعاش ، فمن مال عما أمروا به ، وانحرف عما وضعوا وبيّنوا ، فقد ضلّ وأضلّ عن سواء السبيل .
هامش
( 1 ) الزمنى : أصحاب العاهات .