واتحدت قوتهما ، وصارت نفس المولود متهيئة لقبول تأثيراتهما ، ويكون أكثر همة نفسه الكلام في وصف محاسن أمور الدنيا ، ونعت شهواتها ، ووصف لذاتها بالأشعار والغناء والألحان والنغمات والإيقاعات الموزونة والحركات المنتظمة . وإن كان عطارد هابطا في فلكه ، راجعا في مسيره ، أو مذموما في أحواله ، كان المولود سكّينا أو أخرس أو بليدا أو معتوها .
ثم يدخل الشهر السابع ، وينتهي مسير الشمس إلى البرج السابع المقابل لموضعها ، الذي كان عند مسقط النّطفة ، ويصير التدبير للقمر النيّر الأصغر نظير الشمس في المنظر ، المخالف في المخبر ، المتوسط بين العالمين ، الآخذ من طبائع الكواكب فيضها من العالم العلوي ، الفائض المؤدي تلك الفيضات والخيرات إلى العالم السّفلي .
فإن كان القمر عند ذلك صاعدا في فلكه ، زائدا في نوره ، سريعا في مسيره ، بريئا من المناحس ، انعجن في تلك المادة ، وانطبع في ذلك المزاج ، وانغرس في تلك الجملة ذلك الفيضان ، الذي يؤدّيه القمر من هناك إلى هذا العالم ، وصارت نفس المولود متهيئة لقبول سائر تأثيرات الكواكب ، بحسب الحال التي عليها القمر من الخمسة والعشرين حالا المذكورة في كتاب مدخل النجوم . وإن كان القمر في منزلته أو شرفه ، أو في أوجه ، أو في ميله أو وجهه ، كان المولود ، إن قدّر اللّه عزّ وجل بالتمام والكمال ، مسعودا في أكثر أحواله ، محمودا في أكثر أموره في الدنيا والآخرة جميعا . وإن كان القمر في حد عطارد ، امتزجت طبيعتهما ، واتحدت قوتاهما ، وكان المولود ممزوج الطبائع ، مختلفها ، متفنن الشمائل ، متلوّن الأخلاق ، متنقلا في الآراء والمذاهب ، متداخلا في الأمور المشاكلة ، متشابكا في الأمور الدّنيوية ، قليل الثبات فيها ، سريع التغيّر عنها ، كثير التنقل فيها ، سهل الانقياد ، سريع البلوى ، مواتيا لهوى نفسه ، متباعدا عن إخوانه . وإن كان القمر في حد زحل ، كانت الأمور التي وصفنا بالضّد مما ذكرنا ، وكان المولود في أكثر
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 441
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٤٤١