والوقوف ، خلقه اللّه ، جلّ ثناؤه ، لتنبثّ من جرمه القوى الروحانية ، فتسري في الموجودات لإمساك الصور في الهيولى وثباتها وبقائها ودوامها .
ولولا وجود زحل وكونه في الفلك ، لما تماسكت صورة في الهيولى وثبتت خلقة في مادة طرفة عين إلا سالت وذابت واضمحلّت ، يعرف صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا العلماء الراسخون في علم الهيئات « 1 » ، العارفون بحقائق الموجودات وكيفية نظام العالم وماهيّة أسرار الخلقة .
واعلم يا أخي بأن زحل دليل الشهر الأول من مسقط النطفة ، كما وصفنا قبل . فإذا كان سليم المناحس والأحوال المذمومة ، سلمت تلك النّطفة من الآفات العارضة بإذن اللّه تعالى . وهكذا حكم الحامل لتلك النّطفة ، فإذا كان بخلاف ذلك كان بالعكس . مثال ذلك أنه متى كان زحل صاعدا في فلكه ، مستقيما في سيره في حد نفسه من البرج والدرجة ، فإن تلك النطفة تكون مرتفعة إلى أعلى بطنها ، خفيف عليها حملها ، سليمة من الأوجاع والأعلال . وإن كان في حد المشتري كانت فرحانة بحملها ، حسنة الظن بربها ، مستقيمة السلامة والتمام . وإن كان في حد المرّيخ تكون نشيطة في أعمالها ، مستعجلة في أمورها . وإن كان في حد الزّهرة تكون المرأة مسرورة بحملها ، مستبشرة بولادتها . وإن كان في حد عطارد فإنها تكون عارفة بوقت حملها ، حاسبة لأيام شهورها . وإن كان زحل هابطا في فلكه ، راجعا في مسيره ، مذموما في أحواله ، كان الأمر بخلاف ما وصفنا .
ثم يدخل الشهر الثاني ، فيصير التدبير للمشتري بإذن اللّه عز وجل ، وهو كوكب الاعتدال ، وعلّة صحة المزاج في الكائنات ، وسبب النظام والترتيب في الموجودات ، وهو دليل العقل في الإنسان والفهم والتمييز والعلم
هامش
( 1 ) علم الهيئة : هو علم من العلوم الرياضية يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حيث الكمية والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها .