ليتبين أولا رسم الدار ، ويتمّم البيوت والممرّات والمجالس . وهذه مدة تكوين الدار وإيجادها . ثم يصرف عنايته وتدبيره بعد ذلك في تتميمها من تعليق الأبواب والشبابيك ، ونصب البازير ، وتزيين السطوح ، وتجصيص الحيطان ، وتزويق السقوف والنقوش ، وما شاكلها من التتميم . ثم يبقى بعد ذلك كمال الدار ، وهو أن تفرش وتعلق الستور ، وتملأ الخزائن من الأموال والأثاث ، ويسكنها رب الدار ، ويتمتع إلى حين .
فهكذا يجري يا أخي أمر تركيب جسد الإنسان ، واقتران النفس معه من يوم مسقط النّطفة وتعلّق النفس بها ، إلى يوم يموت الجسد ، وهو أن تفارق النفس الجسد ، ويدفن في التراب . وهذه المدّة هي بمقدار دور واحد من أدوار تلك الأشخاص الفلكية كما بينا في رسالة الأدوار والأكوان .
فلا ينبغي لك يا أخي أن تتوهم أن تظن أن هذه الكواكب والأفلاك والبروج التي ذكرنا أفعالها وتأثيراتها في تركيب الجسد الإنساني هي آلات وأدوات للباري ، جل ثناؤه ، يخلق بها الإنسان ، بل إنما هي آلات وأدوات للنفس الكلية الفلكية . وهذه النفس هي عبد مطيع للباري تعالى ، فقد أيدها بالعقل الكلّي الذي هو ملك من ملائكته المقرّبين
« الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لمن في الأرض » كما ذكر في كتابه على لسان نبيه محمد ، صلى اللّه عليه وآله ، وستعلم يا أخي حقيقة هذه الأسرار والمرامي ، إذا انتبهت لنفسك من نوم الغفلة ، واستيقظت من رقدة الجهالة ، وارتفعت في المعارف الرّبانية ، وارتضت في العلوم الإلهية ، إذا بعثت يوم القيامة ، وشاهدت ملكوت رب العالمين ، ووقفت على جبل الأعراف مع النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .
وإذ قد فرغنا من ذكر تأثير الكواكب في النّطفة مجملا ، فنريد أن نذكر طرفا من تأثيراتها في كل شهر ، وتردادها في أفعالها ، إذا كان بعضها في بيوت بعض ، وحدودها .