تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
المادة إلى نفسها ، كما تجذب نار السراج الدّهن بالفتيلة إلى نفسها ، وكما يجذب حجر المغناطيس الحديد إلى نفسه . فإذا حصل ذلك الدم حفّ حول النطفة كما يحفّ بياض البيضة حول محّها . ثم إن حرارة النطفة تسخّن ذلك الدم وتجمّده ، كما تفعل الإنفحة « 1 » باللبن الحليب ، وهو أول فعل يكون من قوى روحانيات زحل في النّطفة ، لأن من خاصة أفعاله إمساك الصورة في الهيولى ، والسكون والثبات . وأما تأثيرات الكواكب من البروج في الأربعة الأشهر الثانية ، فتكون مصروفة إلى تتميم بنية الجسد وإحكام خلقة الأعضاء ، لكيما تسري فيها قوى النفس الحيوانية ، ويمكنها إظهار أفعالها . وذلك أن الشمس في هذه المدّة بمسيرها في الأبراج المثلثات الأخر تحطّ تلك القوى مرة أخرى . فإذا تمت البنية ، واستحكمت الخلقة ، سرت فيها قوى النفس الحيوانية ، ونقلت تلك الجملة من الرحم إلى فسحة هذا العالم ، واستوفت به تدبيرا آخر أربع سنين ، لكيما تكمل البنية وتستحكم الصورة ، ويمكن أن تسري فيها القوى الناطقة ، وتظهر أفعالها فيها . وذلك أن تلك القوات الروحانية تصرف تأثيراتها وأفعالها إلى تربية المولود وإحكام إدراك الحواسّ محسوساتها . ثم ترد النفس الناطقة ، وينطلق لسان المولود بالعبارة عن معاني تلك المحسوسات وتمييزها .

فصل

واعلم يا أخي أنه لا يمكن أن تفعل هذه الكواكب هذه الأفعال والتأثيرات في شهرين ولا ثلاثة إلى ما هي عليه الآن ، كما بيّنا ، ونضرب لذلك مثلا محسوسا من مصنوعات البشر ، كيما يتصوّر مصنوعات الطبيعة . ذلك أن البنّاء إذا أراد بناء دار ، فإنه يصرف أولا همته وأفعاله مدّة ما ، في تأسيس البناء ، ورفع الحيطان ، وإقامة الأعمدة ، وعقد الأبراج ، وتسقيف البيوت ،
هامش
( 1 ) الإنفحة : شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر فيعصر في صوفة ، فيغلظ كالجبن .