والثالث طريق البرهان الذي يتفرّد به قوم من العلماء دون غيرهم من الناس ، وتكون معرفتهم بها بعد النظر في الرياضيات الهندسيّة والمنطقية .
وقد بينّا لم صارت طرق العلوم ثلاثة في آخر هذه الرسالة ، ونريد أن نذكر الآن طرق الحواس الخمس ، ونصف كيفية إدراك القوى الحساسة لمحسوساتها ، ولكن قبل ذلك ينبغي أن نذكر الأمور المحسوسة التي هي كلها أعراض جسمانية ، وبها يكون الجسم محسوسا ، ونضبط أيضا كيفيّاتها ، لأنها أبين وأوضح وأقرب من فهم المبتدئين المتعلمين . ثم نذكر بعد ذلك النفس وقواها الحساسة التي هي كلها أمور روحانية لطيفة غامضة ، بعيدة عن فهم المبتدئين بالنظر في العلوم والمعارف الحقيقية فنقول :
اعلم ، وفقك اللّه ، أنه لما كانت الأمور المحسوسة كلّها أعراضا جسمانية داخلة عليه ، بعد كونه جسما ، احتجنا أن نذكر الجسم المطلق ، ونصفه بما هو جسم حسب ، ثم نذكر بعد ذلك الأعراض الداخلة التي هي كلها صفات زائدة على كونه جسما ، فنقول : إن الجسم جوهر مركّب من الهيولى والصورة حسب . والدليل على ذلك قول العلماء في حدّ الجسم : هو الشيء الطويل العريض العميق . والشيء هو الجوهر ، وهو الهيولى . والطول والعرض والعمق هي الصور . والجسم بهذه الصفات يكون جسما ، لا بأنه جوهر ، لأن النفس والعقل أيضا هما جوهران لا يوصفان بالطول والعرض والعمق ، فهذا أحد الفروق بين الجواهر الجسمانية والجواهر الروحانية .
ثم اعلم أن كل صفة يوصف بها الجسم ، بعد الطول والعرض والعمق ، هي صفات زائدة داخلة عليه بعد كونه جسما ، وتسمى الصورة المتمّمة . مثال ذلك قول الحكماء إن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ، وأن يكون مظلما أو مضيئا ، وأن يكون مشفّا أو غير مشفّ ، وأن يكون حارّا أو باردا ، أو أن يكون رطبا أو يابسا ، وأن يكون خفيفا أو ثقيلا ، وأن يكون صلبا أو رخوا ، وأن يكون خشنا أو
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 397
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٩٧