تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
وأفعالها في خلقة الحجب والأمعاء تشبه أفعال الذين ينسجون ثياب القطن والكتّان وما شاكل ذلك . وأفعالها في خلقة الغشاوات التي في العينين تشبه أفعال الذين ينسجون الحرير والرقيق من الثياب . وأفعالها في تبييض العظام ، وتحمير اللحم ، وتضمير الشحم ، وتسويد الشعر ، تشبه أفعال الصبّاغين والمزوّقين والدهّانين . وأفعالها في الرحم وتصوير الجنين ، وخلقة الفراخ في البيض ، تشبه أفعال المصوّرين والنقّاشين وأصحاب اللّعب وما شاكل ذلك . فإن قال قائل من الأطباء والطبيعيين إن هذه كلها أفعال الطبيعة ، فليعلم أن القدماء قد قالت : إن الطبيعة فعل النفس . وإن قال قائل من الشرعيين إن هذه كلها للخالق الباري يفعل ما يشاء ، ويصوّر كما يريد ، فليعلم أيضا أن النفس من فعل البارئ تبارك وتعالى ، وإنما ذكرنا هذه الأفعال ، ونسبناها إلى النفس ، لأن البارئ تعالى لا يباشر الأفعال بذاته ، بل يصدر منه على سبيل الأمر ، ولكيما ينتبه الإنسان من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ويفكر في نفسه ، ويشاهد هذه العجائب في الأسرار ، ويعلم بأن الصّانع عليم حكيم ، وأن المصنوع مبدع لهذا الحكيم ، لأنّ بالمصنوع المحكم المتقن تتبين للصانع الحكيم حكمته ، ويستدل عليها ، كما قال اللّه تعالى :
« وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ »
. وإن من الموجودات كلها موضوع اللّه ، لأن حكمته تعالى وصنعه تبين بالمصنوعات المحكمة والموجودات المرتّبة « وفي أنفسكم » آيات اللّه وأسراره ، ومصنوعاته وعجائبه « أفلا تبصرون » أيها الغافلون ، وأفلا تنظرون أيها الجاهلون ! وبالجملة إن هذا الجسد مع النفس وانبثاث قواها في جميع أعضائه الباطنة والظاهرة ، واظهار أفعالها وفنون حركاتها في مجاري مفاصله ، وحواسّها في