حالات النفس ، والظاهر يدل على الباطن ، والمكشوف على المستور ، والجليّ على الخفيّ ، والمحسوس على المعقول . وقد قلنا في الرسالة الأولى إن الجسد مؤلف من اللحم والدم والعظام والعروق والعصب والجلد وما شاكلها . وهذه كلها أجسام أرضية ميتة مظلمة ثقيلة متجزئة متغيرة فاسدة .
وأما النفس فإن جواهرها سماوية روحانية ناطقة نورانية غير ثقيلة ولا متجزئة وغير فاسدة بل متحركة باقية علّامة درّاكة لصور الأشياء وحقائقها .
فصل في كيفية تركيب الجسد وكيفية أخلاط البدن ومزاج الطبائع
فنقول : اعلم ، وفقك اللّه ، أن الباري تعالى لما خلق الجسد وسوّاه ، ونفخ فيه من روحه وأحياه ، ثم أسكن فيه النفس وأولاه ، وكان مثل أساس بنية الجسد وتركيب أجزائه وتأليف أعضائه كمثل أساس بناء مدينة بنيت من أشياء مختلفة كالحجارة والطين والآجرّ والنّورة والرمال والخشب والأجذاع والحديد وما شاكلها ، فأحكم بنيتها ، وشيد بنيانها ، وحصّن سورها ، وخطّطت شوارعها ، وقسمت محالّها ، وزيّنت مجالسها ، ورتبت منازلها ، وملئت خزائنها ، وأسكنت دورها ، وسلكت طرقاتها ، وأجريت أنهارها ، وفتحت أسواقها ، واستعمل صناعها ، وأقعد فيها تجارها ، ودبّرها ملكها وخدمة أهلها .
وذلك أن اللّه تعالى لما أراد تركيب الجسد ابتدأ أولا فاخترع أربع طبائع منفردات ، متعاديات القوى بسلطانها بعضها على بعض ، ثم ألّف بين كل اثنتين منها وأربعة أركان مزدوجات مؤتلفات الطبائع متناسبات القوى من أركانها .
ثم أسس بنية هذا الجسد من هذه الأربعة الأركان التي هي أساس لبنيانها ،