فصل
قال حكيم الجن : اعلم أيها الملك أن اسم الملوك مشتق من اسم الملك واسم الملك من أسماء الملائكة . وذلك أنه ما من جنس من هذه الحيوانات ، ولا نوع منها ، ولا شخص ، ولا كبير ، ولا صغير إلّا وقد وكلّ اللّه تعالى به ملائكة تربيه وتحفظه وتراعيه في جميع تصرفاته ، وهي أشد رحمة ورأفة وتحنّنا وشفقة من الوالدات لأولادها الصغار ونتاجها الضعيفة .
قال الملك الحكيم : ومن أين للملائكة هذه الرحمة والرأفة والتحنن والشفقة التي ذكرت ؟
قال : من رحمة اللّه تعالى ورأفته بخلقه وشفقته وتحننه على بريته . وكل رحمة ورأفة من الملائكة ومن الوالدات والآباء والأمهات ، ورحمة الخلق بعضهم على بعض ، فهي جزء من ألف ألف جزء من رحمة اللّه تعالى ورأفته بخلقه وشفقته وتحننه على عباده .
ومن الدليل على صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا ان ربهم لما أبداهم وأبدعهم وخلقهم وسوّاهم ، وتمّمهم ورباهم ، وكلّ بحفظهم الملائكة الذين هم صفوته من خلقه ، وجعلهم رحماء كرماء بررة . وخلق لهم المنافع والمرافق في طريق الهياكل العجيبة ، والصور والأشكال الطريفة ، والحواس الدرّاكة اللطيفة . وألهمهم دفع المضارّ ، وجرّ المنافع . وسخّر لهم الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ، ألا له الخلق والأمر ، ويدبرهم في الشتاء والصيف ، في البر والبحر ، والسهل والجبل . وخلق الأقوات من الشجر والنبات متاعا لهم إلى حين ، وأسبغ عليهم نعمته ظاهرة وباطنة . ولو عددت لما أحصيت ، وكل هذه دلالة وبراهين على شدة رحمة اللّه ورأفته وتحننه وشفقته على خلقه .