تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
صلة ولا مكافأة لهم ، كما يطلب بنو آدم من أولادهم البرّ والمكافأة في تربيتهم لهم ، بل نجد كل جنس من الحيوانات التي تنزو وتسفد ، وتحمل وترضع وتربّي أولادها ، والتي تسفد وتبيض وتحضن وتزقّ الفراخ والأولاد ، وتربّي أولادها ، لا تطلب من أولادها برّا ولا صلة ولا مكافأة ، ولكنها تربّي أولادها تحنّنا عليها ، وشفقة ورحمة بها ورأفة لها . كل ذلك اقتداء بسنّة اللّه تعالى ، إذ خلق عبيده وأنشأهم ، وربّاهم ، وأنعم عليهم وأحسن إليهم ، وأعطاهم من غير سؤال منهم ، ولا يطلب منهم جزاء ولا شكورا . ولو لم يكن من لؤم طباع الإنس ، وسوء أخلاقهم ، وسيرتهم الجائرة ، وعاداتهم الرديئة ، وأعمالهم السيئة ، وأفعالهم القبيحة ، ومذاهبهم الضالّة ، وكفرهم بالنعم ، لما أمرهم اللّه تعالى بقوله :
« أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ »
كما لم يأمر أولادنا ، إذ لا يكون منهم العقوق والكفران ، وإنما توجه الأمر والنهي والوعد والوعيد إليكم ، يا معشر الإنس ، دوننا ، لأنكم عبيد سوء ، يقع منكم الخلاف والمكر والعصيان . فأنتم بالعبودية أولى منا ، ونحن بالحرية أولى منكم . فمن أين زعمتم أنكم أرباب لنا ، ونحن عبيد لكم ، لولا الوقاحة والمكابرة ، وقول الزور والبهتان ؟ ثم لما فرغ الببغاء من كلامه ، قالت الجماعة : صدق هذا القائل في جميع ما ذكر وأخبر به . فخجلت جماعة الإنس عند ذلك ، ونكسوا رؤوسهم من الحياء والخجل ، لما توجه عليهم من الحكم ، ولم يمكن الإنس أن ينطقوا بعد ذلك . ولما بلغ الببغاء من كلامه إلى هذا الموضع ، قال الملك لرئيس الحكماء من الجن : من هؤلاء الملوك الذين ذكرهم هذا القائل وأثنى عليهم ، ووصف شدة رحمتهم ، وإشفاقهم على رعيتهم ، وتحنّنهم ورأفتهم لجنودهم وأعوانهم وحسن سيرتهم ؟ أنا أظن أن في ذلك رمزا من الرموز ، وسرّا من الأسرار ، عرّفني ما حقيقة هذه الأقاويل وإشارة هذه المرامي . قال : سمعا وطاعة !