تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
خلق اللّه تعالى آدم وسوّاه ونفخ فيه من روحه ، وخلق زوجته حوّاء ، أمر الملائكة الذين كانوا في الأرض بالطاعة ، فانقادت لهما جميعا ما عدا عزازيل ، فإنه أنف وتكبّر وأخذته الحميّة حميّة الجاهليّة والحسد لمّا رأى أن رئاسته قد زالت ، ويحتاج أن يكون تابعا بعد ما كان متبوعا ، ومرءوسا بعد ما كان رئيسا . فأمر « 1 » أولئك الملائكة أن يصعدوا بآدم ، عليه السلام ، فأدخلوه الجنّة وهي بستان من الشرق على رأس جبل الياقوت الذي لا يقدر أحد من البشر أن يصعد هنالك ؛ وهي طيّبة التّربة ، معتدلة الهواء شتاء وصيفا ، ليلا ونهارا ، كثيرة الأنهار ، مخضرّة الأشجار ، مفنّنة الثمار والفواكه والرياض والرياحين والأنهار والأزهار ، كثيرة الحيوانات غير المؤذية والطّيور الطيّبة الأصوات اللذيذة الألحان والنّغمات . وكان على رأس آدم وحوّاء شعر طويل مدلّى كأحسن ما يكون على الجواري والأبكار ، يبلغ قدميهما ويستر عورتيهما ، وكان دثارا لهما وسترا لهما ، وزينة وجمالا . وكانا يمشيان على حافات تلك الأنهار ، ويشمّان من الرياحين والأزهار ، ويأكلان من ثمار تلك الأشجار ، ويشربان من مياه تلك الأنهار بلا تعب من الأبدان ، ولا عناء من النفوس ، ولا مشقّة من كدّ الحرث والنّسل والزّرع والسّقي والحصاد والدّراس والطّحن والخبز والغزل والنّسج والخياطة والغسل ، وما اليوم أولادهما به مبتلون من شقاوة أسباب المعاش في هذه الدّنيا . وكان حكمهما في تلك الجنّة حكم الحيوانات التي هناك مستودعين مستريحين متلذّذين . وكأن اللّه تعالى ألهم آدم أسماء تلك الأشجار والثمار والرياحين ، وأسماء تلك الحيوانات التي هناك . فلمّا نطق آدم سأل الملائكة عنها فلم يكن عندها جواب ، فغدا عند ذلك آدم معلّما يعرّفها أسماءها ومنافعها ومضارّها ، فانقادت الملائكة لأمره ونهيه لما
هامش
( 1 ) فأمر : الضمير يعود إلى اللّه .